غزوة
بني قريظة كبقية غزوات النبي وسراياه، التزم النبي بهدي القرآن الكريم في
القتال والأسر وفي تعامله مع الأسرى بعد ذلك، وهو المن أو الفداء. وقد قصَّ
القرآن الكريم خبر الحادثة بما يؤكد ذلك. في مقابل البيان القرآني وردت
روايات تفيد بأن النبي قتل أسرى بني قريظة وكانوا بالمئات، وتلك الروايات
الأسطورية شاعت بين المسلمين وتوارثتها الأجيال كمسلَّمات شوَّهت الذاكرة وأساءت للإسلام بقدر كبير.
التفاصيل
بدأت غزوة بني قريظة في اليوم الذي انتهت فيه غزوة الأحزاب حيثُ هُزمت قريش وحلفاؤها بعد أن منّ الله تعالى على النبي والمؤمنين بالنصر. قال تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب، 25)
وقد كان لبني قريظة موقفا سلبيا من حصار المدينة وبدلا من الدفاع عنها إلى جانب المسلمين بحسب اتفاق سابق، انقلبوا على المسلمين ليجد المسلمون أنفسهم بين عدو خارجي وآخر داخلي. ويبين القرآن الكريم الحالة الحرجة التي عاشها المسلمون نتيجة لذلك بقوله تعالى {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب،10_ 11)
وبعد أن انتهت غزوة الأحزاب لصالح المسلمين كان لا بد من معاقبة بني قريظة على نقضهم العهد، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم أياما عديدة. وبعد رفضهم الاستسلام قرروا النزول للقتال، وما أن بدأت المعركة حتى دبَّ الرعب في قلوبهم واضطربت صفوفهم. وقد انتهت المعركة بانتصار النبي والمؤمنين. وفي هذا يقول الله تعالى {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب،26_ 27) من خلال الآيتين السابقتين يظهر تسلسل الأحداث؛ حيث نزل بنوا قريظة من حصونهم فدار القتال بين الطرفين، وكان المسلمون معززين بنصر الله إياهم في معركة الأحزاب ومدفوعين بما حملته قلوبهم من غيظ على خيانة بني قريظة. وقد قُتل فريق من بني قريظة بينما أسر الباقون. وفي هذه المرة أيضا انتصر المسلمون.
ولا يصح الأسر قبل إثخان العدو لقوله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} (محمد، 4) وهو ما التزم به النبي صلى الله عليه وسلم. ودوام الآية يوضح حكم الأسير في الإسلام وهو أن يطلق سراحه بالمن عليه أو مقابل فدية عندما تنتهي الحرب {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)
وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة. وقوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} يبين ما آلت إليه الحرب مع بني قريظة. وتقديم المعمول على العامل في قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ} يفيد الأهمية والمعرفية وهذا يدل على أن الذين تم قتلهم هم رؤوس القوم وقادتهم. وبعد أن أُثخن القوم بمقتل سراتهم تم أسر أكثرية المقاتلين.
وكان من نتائج الحرب انتهاء الحقبة التي كان لبني قريظة سيادة على أرضهم وديارهم، ولا شك أن هؤلاء فقدوا منعتهم وسيادتهم على أرضهم، وأصبحت أموالهم غنيمة. وهو ما أشار إليه قوله تعالى في الآية السابقة {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وهذه سنة الله تعالى في الأقوام المفسدة. قال الله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء، 105)
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها لم يعد يملك الأسرى أموالا ليفتدوا أنفسهم وذيويهم، لذا لم يبق سوى خيار واحد وهو اطلاق سراحهم منا.
الروايات الواردة
في مقابل البيان القرآني نجد روايات السيرة تسرد أحداثا مخالفة للنص القرآني الواضح ومتعارضة فيما بينها، حيث تذكر تلك الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتاد الأسرى من بني قريظة إلى المدينة وأسكنهم في أحد البيوت، وفي اليوم التالي اقتادهم إلى سوق المدينة وخندق لهم وقتلهم أفواجا. حيث قُتل كل من قدر على حمل السلاح من الرجال، وقيل قُتل كل ذكر بالغ، وقيل قُتل المقاتلة فقط بينما سُبي الذراري والنساء.
لن تجد رقما للمقتولين في الصحيحين لكن ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل المقاتلة[1]. ومعنى المقاتلة يحتمل من يقدر على القتال، ويحتمل من قاتل فعلا، ويحتمل أن يكون الآمرون به.
وفي غير الصحيحين ورد أن النبي قتل من أنبت منهم[2] ويقصد بالإنبات ظهور شعر العانة. ومعروف أنه ليس كل من أنبت مقاتل، فهذه الرواية لا تقصر القتل على المقاتلين فقط بل بغيرهم أيضا. ومن المسلَّمات أن قتل غير المقاتل ليس مشروعا. وراوي هذا الحديث (من أنبت منهم) واحد ممن أسلم من بني قريظة. ولا يمكن التسليم لروايات قرظيين حتى لو أسلموا، لأن نزع القومية لا بد أن يؤثر في مثل هذه الرواية.
ومن يستقرئ روايات القرظيين بخصوص غزوة بني قريظة يجد عناصر الرواية اليهودية متواجدة فيها. وهي التعرض للإبادة والخيانة وبطولة اليهودي وثباته وبيان أنهم الضحية دائما.
وحتى ترتاح النفس لصحة الرواية لا بد أن يكون ناقلها محايدا قدر الإماكن، وفي مثل تلك الروايات لا نتصور الحياد سواء من أبناء القرظيين الذين تبدد شملهم نتيجة للحرب، أو من مسلمين يحملون كراهية لليهود الذين كانوا يقيمون كيانا شبه مستقل وسطهم، وقد يكون لاختلاف الدين دور في نقل رواية في غاية القتامة، فهي تلبي حاجة من يشعر بأنه ضحية، كما تلبي حاجة الشعور بالفخر عند من انتصر على قوم آخرين.
لم تذكر أعداد من قتلوا من بني قريظة في الصحيحين إنما روى ابن اسحق[3] في السيرة بغير سند “وهم ست مائة أو سبع مائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مائة والتسع مائة”[4]
وفي رواية أخرى ” وكانوا أربع مائة”[5]
لكن حميد بن زونجويه في كتابه الأموال روى بسنده عن ابن شهاب “فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا”[6] .
هذه الروايات لا يمكن قبولها لعدة أسباب:
1_ إنّ البيان القرآني جاء واضحا في كون المعركة قد انتهت بمقتل فريق من بني قريظة بينما تمّ أسر الباقين، ولا يصح الأسر قبل اثخان العدو بموجب قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } (الأنفال، 67) والآيات التي قصت خبر بني قريظة لم تذكر مصير الأسرى؛ لأن الحكم فيهم ورد في قوله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)
وقد يعترض من يتعصب للرويات وإن خالفت القرآن الكريم ويقول إن مقتلة بني قريظة حقيقة لا مفر منها. وهذا قول خطير يؤدي إلى القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل على خلاف القرآن الكريم، ولو افترضنا جدلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ في اجتهاده بحق بني قريظة لأخبره ربه بذلك وعاتبه عليه عتابا شديدا كما حصل في قضية أسرى بدر، ومع أننا لم نجد مثل هذا العتاب في كتاب الله فهذا يدل دلالة قاطعة أن قتل أسرى بني قريظة لم يقع أصلا.
وقد يقول قائل إن عتاب الله له بحق أسرى بدر لأنه لم يقتلهم وهو دليل على أن قتله لأسرى بني قريظة كان فعلا صحيحا. وهذا توجيه مردود من ثلاث نواحٍ:
الأولى: أن العتاب لم يقع على عدم قتله الأسرى بل وقع لاتخاذه الأسرى قبل الأوان، والمقصود أن يستمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال حتى يقطع دابرهم. وهو المراد بقوله تعالى {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (الأنفال، 7)
الثانية: لو كان يجوز قتل الأسير لفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد عتاب الله له. ولأن النبي لم يفعل فهذا يدلّ دلالة قاطعة على عدم جواز قتل الأسير.
الثالثة: كيف يمكن إغفال الآية الرابعة من سورة محمد التي تنص صراحة أن مصير الأسير بين خيارين لا ثالث لها: الفداء أو المن؟.
2_ لم يشرع القتال في الإسلام للقهر والاستعلاء وإنما لحكم وغايات جليلة منها رد الاعتداء بمثله والمقصود الدفاع عن النفس بما يضمن الأمن والحماية للمسلمين قال الله تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (البقرة، 190_194)
3_ المحارب المعتدي إذا استسلم واستجار فعلى المسلمين تأمينه ورده إلى بيته آمناً بعد أن يسمع القرآن. قال الله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (التوبة، 6)
4_ وإن ألقى المحارب السلام وظهرت رغبته به فقد حقن دمه ويحرم التعرض له. قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء، 94)
5_ الأسير بعد اطلاق سراحه يتحول في بلاد المسلمين إلى ابن سبيل يحاط بالرعاية والإحسان، قال الله تعالى في وصف المؤمنين {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} ( الانسان8_9 ) . هذا هو تشريع القرآن في رعاية الأسير ، فهل تتفق هذه التشريعات مع التسليم بمقتلة بني قريظة بعد أسرهم ؟
6_ عُرف من سيرة النبي كرهُه لسفك الدماء، وسيرته العسكرية تؤكد ذلك. وقد أحصى المؤرخون عدد القتلى في صفوف المسلمين وأعدائهم على حد سواء فلم يتجاوز بضع مئات في مجمل حروب النبي وسراياه. فهل يعقل أن يأمر بقتل المئات بيوم أو يومين؟
وقد يقال إن تلك المعاملة القاسية استحقها اليهود بسبب خيانتهم ونقضهم للعهد. ويُرد على ذلك أن خيانة اليهود ونقضهم للعهد ليست المرة الوحيدة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم فقد فعلت قريش ذلك بعد الحديبية، وتوجه النبي وصحبه إلى مكة فاتحين، وقصة العفو عن أهل مكة معروفة ومحفوظة. فهل يُقبل القول إن النبي كال بمكيالين؟ حاشاه.
وقد يقول قائل إن النبي نفذ ذلك الحكم القاسي على بني قريظة لأنهم من قوم مختلف. وهذا القول أشد افتراء، فالنبي صلى الله عليه وسلم أُرسل رحمة للعالمين جميعا وليس للعرب فقط، ولذلك لا يمكن أن نقبل بمبدأ التفريق على أساس العرق ونلصق ذلك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يرد أحدهم ويقول إن الفرق بين نتيجة المعركتين (غزوة بني قريظة وفتح مكة) واضح. ونقول أن ذلك يرجع لسير الأحداث، فمكة فُتحت دون قتال فُحقنت دماءُ أهلها، وقد امتن رسول الله عليهم بأن عفا عنهم. لكن بني قريظة رفضوا ما قبله أهل مكة وأصروا على الحرب حتى انتهت بهزيمتهم وإنهاء تواجدهم كجماعة موحدة شبه مستقلة.
تساؤلات منطقية حول هذه الروايات
1_ إذا كان عدد الأسرى المقاتلين بين 600_900 فهذا يعني أن قرابة ثلاثة آلاف نفر سيقوا جملة واحدة من مضارب بني قريظة حتى المدينة والطريق تستغرق مدة ساعات طويلة. كيف يمكن تأمين السيطرة على مثل هذا العدد من الناحية الأمنية والعسكرية؟
2_ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ[7]. فأي دار تستوعب مثل هذا العدد ؟
3_ لماذا لم يُنفذ الإعدام عند حصونهم ليختصر المسلمون الجهد والوقت والمؤونة ؟
4_ لماذا لم يتم قتلهم في الخندق الذي حُفر قبل غزوة الأحزاب مما يجنب المدينة تلك الجثث وتلك الدماء وما يترتب على ذلك من انتشار الأوبئة والأمراض؟
5_ تشير بعض الروايات أن عليا والزبير هما من نفذا القتل[8]. فكيف يمكن لشخصين ذبح 500 _ 900 شخص دون أن تتأثر نفوسهم سلبا. ولا يمكن لطبيعة الانسان أن تحتمل مثل هذا النوع من القتل. ولا بد أن نشير أن القتل في ساحة المعركة يختلف تماما عن تنفيذ الإعدام، إذ أن المبرر النفسي للقتل في المعركة موجود بدافع الدفاع عن النفس بخلاف اعدام المستسلم.
6_ كيف عاش اليهود مع المسلمين بعد أن ذُبح أبناء دينهم أمام أعينهم؟
7_ أين هذا الخندق الذي قُتل فيه اليهود؟
8_ عُرف اليهود عبر التاريخ بتوثيق مآسيهم بالتفصيل. ولم يُعرف هذا الحدث في تاريخ اليهود، ولم يسجل المؤرخون اليهود هذه الحادثة، ومن يتحدث من اليهود اليوم عن تلك الحادثة فإنه يعتمد على روايات ابن اسحاق. وهذا يعطي انطباعا بأن الحادثة لم تكن مما يستدعي توثيقها[9] عند اليهود بل كانت واحدة من الحروب التي حدثت في تلك الفترة.
9_ ولنا أن نتساءل عن الحاجة لقتل قوم بعد هزيمتهم واستسلامهم إلا أن يكون القتل غاية بحد ذاته. وهو ما تنفيه الآيات السابقة من سورة البقرة وسلوك النبي في الحرب.
قتل مجرمي الحرب فقط
يرى فريق من العلماء المعاصرين أن من تمّ إعدامهم بعد الأسر هم قادة بني قريظة بوصفهم مجرمي حرب، وهو ما يفسر أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتادهم إلى المدينة وتحقق من شنيع فعلتهم حتى صدر الحكم بقتلهم، محتجين بظاهر قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}. وفي قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ} تقديم المعمول على العامل وهذا يفيد الأهمية والمعرفية مما يدل على أن القتل كان من نصيب قادة بني قريظة، وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات[10]. ويعتمد هذا الفريق على الرواية الصحيحة التي تفيد بأنه حُكم عليهم بقتل المقاتلة، وقالوا إن المقاتلة بمعنى الآمرون بالقتال، ويؤيد هذا قوله تعالى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} (التوبة، 12)
ردنا على هذا الفريق
وهذا الرأي يصعب قبوله أيضا، لأن الآية أظهرت تسلسل الأحداث في المعركة وظهر من خلاله أن القتل في سراة بني قريظة وقع في المعركة وقد تمّ أسر المقاتلين بعد أن أُثخن القوم، ولا يمكن فهم الآية إلا بهذه الطريقة، كما أن قوله تعالى {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} لا يعني القتل بعد الأسر، وإنما يعني قتالهم حتى تنكسر شوكتهم، وهذا لا يتم إلا بأرض المعركة. {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} (البقرة، 193). فلا يمكننا ليّ أعناق الآيات حتى تتوافق مع روايات ابن اسحاق وغيره.
كتبه: جمال أحمد نجم
[1] صحيح مسلم باب جواز قتل من نقض العهد، 65 – (1769)
[2] عن عطية القرظي، قال: «كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت» سنن ابي داوود، باب الغلام يصيب الحد،4404 ، وصححه الالباني.
[3] محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار الأخباري صاحب المغازي. وثقه كثير من العلماء ووصفوه بالصدوق، بينما أمسك عن الاحتجاج برواياته غير واحد من العلماء، فقد وصفه أبو داوود أنه كان يشتهي الرواية. وبالغ الإمام مالك في النكير عليه بقوله عنه دجال من الدجاجلة، ربما ذلك لأنه كان يكثر الرواية عن اليهود الذين أسلموا دون أن يتحرى. وقد ذكر بعض العلماء أنه كان بين الرجلين ضغينة فلا يقبل قول مالك فيه… انظر سير أعلام النبلاء ، محمد بن اسحاق.
[4] ابن هشام، مقتل بني قريظة، 2/ 240
[5] رواه أحمد ، مسند جابر بن عبدالله (14773) والترمذي (1582) ، والنسائي في “الكبرى” (7679) ، والطحاوي في “شرح المعاني” 4/321، وفي “شرح المشكل” (3579) ، وابن حبان (4784) و (6083) والحديث صحيح الاسناد
[6] الأموال لابن زنجويه، باب الحكم في رقاب أهل الذمة، (461)
[7] ابن هشام، مقتل بني قريظة، 2/ 240
[8] إنارة الدجى في مغازي خير الورى، مقتل بني قريظة وحيي بن أخطب، 1/402
[9] تعج كتب التاريخ اليهودية بحادثة مشابهة حصلت لمجموعة يهودية حاصرهم الجيش الروماني في القرن الميلادي الأول فيما يعرف بقلعة المسادا. بينما لم تتطرق هذه الكتب الى المذبحة المزعومة بحق بني قريظة. وهذا بحد ذاته ينفي حصول تلك المقتلة أصلا.
[10] ومن هذه الروايات ما رواه ابن اسحاق في المغازي عن ابن شهاب “كَانَ الزّبِيرُ بْنُ بَاطَا مَنّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ يَوْمَ بُعَاثٍ، فأراد ثابت رد الجميل اليه يوم بني قريظة وكان له ما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الزبير لم تطب له الحياة بعد ان قتل سراة قومه وقال لقيس: فَإِنّي أَسْأَلُك بِيَدِي عِنْدَك إلّا قَدّمْتنِي إلَى هَذَا الْقَتّالِ الّذِي يَقْتُلُ سَرَاةَ بَنِي قُرَيْظَةَ ثُمّ يُقَدّمُنِي إلَى مَصَارِعِ قَوْمِي، وَخُذْ سَيْفِي فَإِنّهُ صَارِمٌ فَاضْرِبْنِي بِهِ ضَرْبَةً وَأَجْهِزْ”. سرة ابن هشام، مقتل بني قريظة،2/240 والرواية أيضا في مغازي الواقدي، غزوة بني قريظة، 2/518 . وفي هذه الرواية ما يشير ان القتل وقع فعلا في سراة القوم الذين كان لهم الامر في الخيانة.
التفاصيل
بدأت غزوة بني قريظة في اليوم الذي انتهت فيه غزوة الأحزاب حيثُ هُزمت قريش وحلفاؤها بعد أن منّ الله تعالى على النبي والمؤمنين بالنصر. قال تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} (الأحزاب، 25)
وقد كان لبني قريظة موقفا سلبيا من حصار المدينة وبدلا من الدفاع عنها إلى جانب المسلمين بحسب اتفاق سابق، انقلبوا على المسلمين ليجد المسلمون أنفسهم بين عدو خارجي وآخر داخلي. ويبين القرآن الكريم الحالة الحرجة التي عاشها المسلمون نتيجة لذلك بقوله تعالى {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب،10_ 11)
وبعد أن انتهت غزوة الأحزاب لصالح المسلمين كان لا بد من معاقبة بني قريظة على نقضهم العهد، فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم أياما عديدة. وبعد رفضهم الاستسلام قرروا النزول للقتال، وما أن بدأت المعركة حتى دبَّ الرعب في قلوبهم واضطربت صفوفهم. وقد انتهت المعركة بانتصار النبي والمؤمنين. وفي هذا يقول الله تعالى {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} (الأحزاب،26_ 27) من خلال الآيتين السابقتين يظهر تسلسل الأحداث؛ حيث نزل بنوا قريظة من حصونهم فدار القتال بين الطرفين، وكان المسلمون معززين بنصر الله إياهم في معركة الأحزاب ومدفوعين بما حملته قلوبهم من غيظ على خيانة بني قريظة. وقد قُتل فريق من بني قريظة بينما أسر الباقون. وفي هذه المرة أيضا انتصر المسلمون.
ولا يصح الأسر قبل إثخان العدو لقوله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ} (محمد، 4) وهو ما التزم به النبي صلى الله عليه وسلم. ودوام الآية يوضح حكم الأسير في الإسلام وهو أن يطلق سراحه بالمن عليه أو مقابل فدية عندما تنتهي الحرب {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)
وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في بني قريظة. وقوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} يبين ما آلت إليه الحرب مع بني قريظة. وتقديم المعمول على العامل في قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ} يفيد الأهمية والمعرفية وهذا يدل على أن الذين تم قتلهم هم رؤوس القوم وقادتهم. وبعد أن أُثخن القوم بمقتل سراتهم تم أسر أكثرية المقاتلين.
وكان من نتائج الحرب انتهاء الحقبة التي كان لبني قريظة سيادة على أرضهم وديارهم، ولا شك أن هؤلاء فقدوا منعتهم وسيادتهم على أرضهم، وأصبحت أموالهم غنيمة. وهو ما أشار إليه قوله تعالى في الآية السابقة {وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ} وهذه سنة الله تعالى في الأقوام المفسدة. قال الله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} (الأنبياء، 105)
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها لم يعد يملك الأسرى أموالا ليفتدوا أنفسهم وذيويهم، لذا لم يبق سوى خيار واحد وهو اطلاق سراحهم منا.
الروايات الواردة
في مقابل البيان القرآني نجد روايات السيرة تسرد أحداثا مخالفة للنص القرآني الواضح ومتعارضة فيما بينها، حيث تذكر تلك الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتاد الأسرى من بني قريظة إلى المدينة وأسكنهم في أحد البيوت، وفي اليوم التالي اقتادهم إلى سوق المدينة وخندق لهم وقتلهم أفواجا. حيث قُتل كل من قدر على حمل السلاح من الرجال، وقيل قُتل كل ذكر بالغ، وقيل قُتل المقاتلة فقط بينما سُبي الذراري والنساء.
لن تجد رقما للمقتولين في الصحيحين لكن ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل المقاتلة[1]. ومعنى المقاتلة يحتمل من يقدر على القتال، ويحتمل من قاتل فعلا، ويحتمل أن يكون الآمرون به.
وفي غير الصحيحين ورد أن النبي قتل من أنبت منهم[2] ويقصد بالإنبات ظهور شعر العانة. ومعروف أنه ليس كل من أنبت مقاتل، فهذه الرواية لا تقصر القتل على المقاتلين فقط بل بغيرهم أيضا. ومن المسلَّمات أن قتل غير المقاتل ليس مشروعا. وراوي هذا الحديث (من أنبت منهم) واحد ممن أسلم من بني قريظة. ولا يمكن التسليم لروايات قرظيين حتى لو أسلموا، لأن نزع القومية لا بد أن يؤثر في مثل هذه الرواية.
ومن يستقرئ روايات القرظيين بخصوص غزوة بني قريظة يجد عناصر الرواية اليهودية متواجدة فيها. وهي التعرض للإبادة والخيانة وبطولة اليهودي وثباته وبيان أنهم الضحية دائما.
وحتى ترتاح النفس لصحة الرواية لا بد أن يكون ناقلها محايدا قدر الإماكن، وفي مثل تلك الروايات لا نتصور الحياد سواء من أبناء القرظيين الذين تبدد شملهم نتيجة للحرب، أو من مسلمين يحملون كراهية لليهود الذين كانوا يقيمون كيانا شبه مستقل وسطهم، وقد يكون لاختلاف الدين دور في نقل رواية في غاية القتامة، فهي تلبي حاجة من يشعر بأنه ضحية، كما تلبي حاجة الشعور بالفخر عند من انتصر على قوم آخرين.
لم تذكر أعداد من قتلوا من بني قريظة في الصحيحين إنما روى ابن اسحق[3] في السيرة بغير سند “وهم ست مائة أو سبع مائة، والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مائة والتسع مائة”[4]
وفي رواية أخرى ” وكانوا أربع مائة”[5]
لكن حميد بن زونجويه في كتابه الأموال روى بسنده عن ابن شهاب “فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا”[6] .
هذه الروايات لا يمكن قبولها لعدة أسباب:
1_ إنّ البيان القرآني جاء واضحا في كون المعركة قد انتهت بمقتل فريق من بني قريظة بينما تمّ أسر الباقين، ولا يصح الأسر قبل اثخان العدو بموجب قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } (الأنفال، 67) والآيات التي قصت خبر بني قريظة لم تذكر مصير الأسرى؛ لأن الحكم فيهم ورد في قوله تعالى {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} (محمد، 4)
وقد يعترض من يتعصب للرويات وإن خالفت القرآن الكريم ويقول إن مقتلة بني قريظة حقيقة لا مفر منها. وهذا قول خطير يؤدي إلى القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم عمل على خلاف القرآن الكريم، ولو افترضنا جدلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخطأ في اجتهاده بحق بني قريظة لأخبره ربه بذلك وعاتبه عليه عتابا شديدا كما حصل في قضية أسرى بدر، ومع أننا لم نجد مثل هذا العتاب في كتاب الله فهذا يدل دلالة قاطعة أن قتل أسرى بني قريظة لم يقع أصلا.
وقد يقول قائل إن عتاب الله له بحق أسرى بدر لأنه لم يقتلهم وهو دليل على أن قتله لأسرى بني قريظة كان فعلا صحيحا. وهذا توجيه مردود من ثلاث نواحٍ:
الأولى: أن العتاب لم يقع على عدم قتله الأسرى بل وقع لاتخاذه الأسرى قبل الأوان، والمقصود أن يستمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال حتى يقطع دابرهم. وهو المراد بقوله تعالى {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} (الأنفال، 7)
الثانية: لو كان يجوز قتل الأسير لفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بعد عتاب الله له. ولأن النبي لم يفعل فهذا يدلّ دلالة قاطعة على عدم جواز قتل الأسير.
الثالثة: كيف يمكن إغفال الآية الرابعة من سورة محمد التي تنص صراحة أن مصير الأسير بين خيارين لا ثالث لها: الفداء أو المن؟.
2_ لم يشرع القتال في الإسلام للقهر والاستعلاء وإنما لحكم وغايات جليلة منها رد الاعتداء بمثله والمقصود الدفاع عن النفس بما يضمن الأمن والحماية للمسلمين قال الله تعالى {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ. فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ. الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (البقرة، 190_194)
3_ المحارب المعتدي إذا استسلم واستجار فعلى المسلمين تأمينه ورده إلى بيته آمناً بعد أن يسمع القرآن. قال الله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} (التوبة، 6)
4_ وإن ألقى المحارب السلام وظهرت رغبته به فقد حقن دمه ويحرم التعرض له. قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} (النساء، 94)
5_ الأسير بعد اطلاق سراحه يتحول في بلاد المسلمين إلى ابن سبيل يحاط بالرعاية والإحسان، قال الله تعالى في وصف المؤمنين {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} ( الانسان8_9 ) . هذا هو تشريع القرآن في رعاية الأسير ، فهل تتفق هذه التشريعات مع التسليم بمقتلة بني قريظة بعد أسرهم ؟
6_ عُرف من سيرة النبي كرهُه لسفك الدماء، وسيرته العسكرية تؤكد ذلك. وقد أحصى المؤرخون عدد القتلى في صفوف المسلمين وأعدائهم على حد سواء فلم يتجاوز بضع مئات في مجمل حروب النبي وسراياه. فهل يعقل أن يأمر بقتل المئات بيوم أو يومين؟
وقد يقال إن تلك المعاملة القاسية استحقها اليهود بسبب خيانتهم ونقضهم للعهد. ويُرد على ذلك أن خيانة اليهود ونقضهم للعهد ليست المرة الوحيدة التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم فقد فعلت قريش ذلك بعد الحديبية، وتوجه النبي وصحبه إلى مكة فاتحين، وقصة العفو عن أهل مكة معروفة ومحفوظة. فهل يُقبل القول إن النبي كال بمكيالين؟ حاشاه.
وقد يقول قائل إن النبي نفذ ذلك الحكم القاسي على بني قريظة لأنهم من قوم مختلف. وهذا القول أشد افتراء، فالنبي صلى الله عليه وسلم أُرسل رحمة للعالمين جميعا وليس للعرب فقط، ولذلك لا يمكن أن نقبل بمبدأ التفريق على أساس العرق ونلصق ذلك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد يرد أحدهم ويقول إن الفرق بين نتيجة المعركتين (غزوة بني قريظة وفتح مكة) واضح. ونقول أن ذلك يرجع لسير الأحداث، فمكة فُتحت دون قتال فُحقنت دماءُ أهلها، وقد امتن رسول الله عليهم بأن عفا عنهم. لكن بني قريظة رفضوا ما قبله أهل مكة وأصروا على الحرب حتى انتهت بهزيمتهم وإنهاء تواجدهم كجماعة موحدة شبه مستقلة.
تساؤلات منطقية حول هذه الروايات
1_ إذا كان عدد الأسرى المقاتلين بين 600_900 فهذا يعني أن قرابة ثلاثة آلاف نفر سيقوا جملة واحدة من مضارب بني قريظة حتى المدينة والطريق تستغرق مدة ساعات طويلة. كيف يمكن تأمين السيطرة على مثل هذا العدد من الناحية الأمنية والعسكرية؟
2_ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ اسْتَنْزَلُوا، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فِي دَارِ بِنْتِ الْحَارِثِ ، امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ[7]. فأي دار تستوعب مثل هذا العدد ؟
3_ لماذا لم يُنفذ الإعدام عند حصونهم ليختصر المسلمون الجهد والوقت والمؤونة ؟
4_ لماذا لم يتم قتلهم في الخندق الذي حُفر قبل غزوة الأحزاب مما يجنب المدينة تلك الجثث وتلك الدماء وما يترتب على ذلك من انتشار الأوبئة والأمراض؟
5_ تشير بعض الروايات أن عليا والزبير هما من نفذا القتل[8]. فكيف يمكن لشخصين ذبح 500 _ 900 شخص دون أن تتأثر نفوسهم سلبا. ولا يمكن لطبيعة الانسان أن تحتمل مثل هذا النوع من القتل. ولا بد أن نشير أن القتل في ساحة المعركة يختلف تماما عن تنفيذ الإعدام، إذ أن المبرر النفسي للقتل في المعركة موجود بدافع الدفاع عن النفس بخلاف اعدام المستسلم.
6_ كيف عاش اليهود مع المسلمين بعد أن ذُبح أبناء دينهم أمام أعينهم؟
7_ أين هذا الخندق الذي قُتل فيه اليهود؟
8_ عُرف اليهود عبر التاريخ بتوثيق مآسيهم بالتفصيل. ولم يُعرف هذا الحدث في تاريخ اليهود، ولم يسجل المؤرخون اليهود هذه الحادثة، ومن يتحدث من اليهود اليوم عن تلك الحادثة فإنه يعتمد على روايات ابن اسحاق. وهذا يعطي انطباعا بأن الحادثة لم تكن مما يستدعي توثيقها[9] عند اليهود بل كانت واحدة من الحروب التي حدثت في تلك الفترة.
9_ ولنا أن نتساءل عن الحاجة لقتل قوم بعد هزيمتهم واستسلامهم إلا أن يكون القتل غاية بحد ذاته. وهو ما تنفيه الآيات السابقة من سورة البقرة وسلوك النبي في الحرب.
قتل مجرمي الحرب فقط
يرى فريق من العلماء المعاصرين أن من تمّ إعدامهم بعد الأسر هم قادة بني قريظة بوصفهم مجرمي حرب، وهو ما يفسر أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتادهم إلى المدينة وتحقق من شنيع فعلتهم حتى صدر الحكم بقتلهم، محتجين بظاهر قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}. وفي قوله تعالى {فَرِيقًا تَقْتُلُونَ} تقديم المعمول على العامل وهذا يفيد الأهمية والمعرفية مما يدل على أن القتل كان من نصيب قادة بني قريظة، وهذا ما أشارت إليه بعض الروايات[10]. ويعتمد هذا الفريق على الرواية الصحيحة التي تفيد بأنه حُكم عليهم بقتل المقاتلة، وقالوا إن المقاتلة بمعنى الآمرون بالقتال، ويؤيد هذا قوله تعالى {وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} (التوبة، 12)
ردنا على هذا الفريق
وهذا الرأي يصعب قبوله أيضا، لأن الآية أظهرت تسلسل الأحداث في المعركة وظهر من خلاله أن القتل في سراة بني قريظة وقع في المعركة وقد تمّ أسر المقاتلين بعد أن أُثخن القوم، ولا يمكن فهم الآية إلا بهذه الطريقة، كما أن قوله تعالى {فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ} لا يعني القتل بعد الأسر، وإنما يعني قتالهم حتى تنكسر شوكتهم، وهذا لا يتم إلا بأرض المعركة. {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} (البقرة، 193). فلا يمكننا ليّ أعناق الآيات حتى تتوافق مع روايات ابن اسحاق وغيره.
كتبه: جمال أحمد نجم
[1] صحيح مسلم باب جواز قتل من نقض العهد، 65 – (1769)
[2] عن عطية القرظي، قال: «كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون، فمن أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل، فكنت فيمن لم ينبت» سنن ابي داوود، باب الغلام يصيب الحد،4404 ، وصححه الالباني.
[3] محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار الأخباري صاحب المغازي. وثقه كثير من العلماء ووصفوه بالصدوق، بينما أمسك عن الاحتجاج برواياته غير واحد من العلماء، فقد وصفه أبو داوود أنه كان يشتهي الرواية. وبالغ الإمام مالك في النكير عليه بقوله عنه دجال من الدجاجلة، ربما ذلك لأنه كان يكثر الرواية عن اليهود الذين أسلموا دون أن يتحرى. وقد ذكر بعض العلماء أنه كان بين الرجلين ضغينة فلا يقبل قول مالك فيه… انظر سير أعلام النبلاء ، محمد بن اسحاق.
[4] ابن هشام، مقتل بني قريظة، 2/ 240
[5] رواه أحمد ، مسند جابر بن عبدالله (14773) والترمذي (1582) ، والنسائي في “الكبرى” (7679) ، والطحاوي في “شرح المعاني” 4/321، وفي “شرح المشكل” (3579) ، وابن حبان (4784) و (6083) والحديث صحيح الاسناد
[6] الأموال لابن زنجويه، باب الحكم في رقاب أهل الذمة، (461)
[7] ابن هشام، مقتل بني قريظة، 2/ 240
[8] إنارة الدجى في مغازي خير الورى، مقتل بني قريظة وحيي بن أخطب، 1/402
[9] تعج كتب التاريخ اليهودية بحادثة مشابهة حصلت لمجموعة يهودية حاصرهم الجيش الروماني في القرن الميلادي الأول فيما يعرف بقلعة المسادا. بينما لم تتطرق هذه الكتب الى المذبحة المزعومة بحق بني قريظة. وهذا بحد ذاته ينفي حصول تلك المقتلة أصلا.
[10] ومن هذه الروايات ما رواه ابن اسحاق في المغازي عن ابن شهاب “كَانَ الزّبِيرُ بْنُ بَاطَا مَنّ عَلَى ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ يَوْمَ بُعَاثٍ، فأراد ثابت رد الجميل اليه يوم بني قريظة وكان له ما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الزبير لم تطب له الحياة بعد ان قتل سراة قومه وقال لقيس: فَإِنّي أَسْأَلُك بِيَدِي عِنْدَك إلّا قَدّمْتنِي إلَى هَذَا الْقَتّالِ الّذِي يَقْتُلُ سَرَاةَ بَنِي قُرَيْظَةَ ثُمّ يُقَدّمُنِي إلَى مَصَارِعِ قَوْمِي، وَخُذْ سَيْفِي فَإِنّهُ صَارِمٌ فَاضْرِبْنِي بِهِ ضَرْبَةً وَأَجْهِزْ”. سرة ابن هشام، مقتل بني قريظة،2/240 والرواية أيضا في مغازي الواقدي، غزوة بني قريظة، 2/518 . وفي هذه الرواية ما يشير ان القتل وقع فعلا في سراة القوم الذين كان لهم الامر في الخيانة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق