الصلات بين الفرس والترك بدأت قبل التاريخ المدون، وقد أشارت الأساطير التاريخية والدينية الإيرانية إلى هذه الصلات، حيث تحدثت عن القتال الذى دار بين توران (بلاد الترك) وإيران، وهذا الصراع العنصرى المسلح بين الإيرانيين والأتراك سجله الفردوس – شاعر إيران المعروف – فى الشاهنامة (كتاب الملوك). ولم يكن الصراع المسلح هو الصلة الوحيدة بين الفرس والترك فى الزمن القديم والقرون الوسطى، بل بينهما صلات اقتصادية وثقافية وتعاون سلمى فى فترات قصار. وبعد ظهور الإسلام فقدت إيران استقلالها، ولم يمضى قرنان على الفتح الإسلامى حتى ظهرت دويلات محلية مستقلة فى إيران ينحدر مؤسسوها من أصول إيرانية، وهى على التوالى: الدولة الطاهرية (205 – 259 هـ) فى خراسان، وكان الطاهريون أول من استقل بخراسان، وحصلوا فيها على نوع من الاستقلال، وكان ولاؤهم للخلافة العباسية الإسلامية، والدولة الصفارية (245 – 290 هـ)، وهم يعتزون بها فى إيران اعتزازاً كبيراً لأنها أنعشت الروح القومية الفارسية واللغة الفارسية الإسلامية التى بزغ نجمها فى عهدهم وصارت لغة أدب، والدولة السامانية (279 – 389 هـ) فى خراسان وتركستان، وهى الدولة التى ازدهر فى كنفها الأدب الفارسى شعره ونثره. وآل زيار (316 – 433هـ)، وآل بويه (320 – 447هـ)، وتعد دولة آل بويه أول دولة فارسية تسيطر على بغداد وعلى خلفاء بنى العباس سيطرة كاملة، وهى الدولة التى قضت على نفوذ الأتراك فى بغداد، وكان الخليفة العباسى المعتصم هو أول من استخدم الأتراك فى الجيش إلا أنهم تسربوا بمرور الوقت إلى الجهاز الإدارى فى الدولة وسلبوا الخلفاء سلطانهم، وغلوا أيديهم، وتدخلوا فى تولية الخلفاء وعزلهم وفى تولية الوزراء والولاة. وعمل آل بويه على نصرة المذهب الشيعى ورعوا اللغة الفارسية، وأحيوا العادات والأعياد والتقاليد والألقاب الفارسية، وكان عصرهم امتداداً لعصر نفوذ الأتراك.
وصار تجنيد الأتراك منذ استخدمهم المعتصم العباسى قاعدة مرعية فى الدول الإسلامية، وكان الأتراك يغيرون من موطنهم القديم بشكل غير منظم على الحدود الإيرانية من وقت إلى آخر، وتعاقبت على إيران عدة دول تركية فترات طويلة كانت فيها إيران ترزح تحت الحكم الأجنبى. وكانت أول دولة تركية خالصة تمثل العنصر التركى قامت فى شرق إيران هى الدولة الغزنوية (351 – 582 هـ) التى أسسها غلام تركى كان أبناً لأحد غلمان السامانيين وكانت جيوش خراسان تحت إمرته من قبل السامانيين الذين قلدوا العباسيين فى استخدام الغلمان الأتراك فى جيوشهم.
وتنسب الدولة الغزنوية إلى غزنة العاصمة (تقع الآن فى أفغانستان الحالية). وقد استولت هذه الدولة على أملاك الدولة السامانية فى بلاد ما وراء النهر وخراسان وسيستان وجرجان وطبرستان وخوارزم وأصفهان وهمدان والرى وقزوين. وقد اشتهر من سلاطينهم محمود الغزنوى (387 – 421 هـ) السنى المذهب، وكان كثير الفتوحات حتى لقب بـ "الغازى"، وكان بلاطه كعبة للعلماء والشعراء. وترجع شهرته إلى غزواته الموفقة فى الهند، وهى الغزوات التى اتخذت طابع الجهاد فى سبيل الله ونشر الإسلام، لكن الإيرانيين يرون فيه رجلاً متعصباً، يحارب كل ما يشتم منه رائحة الحكمة وحرية الفكر، لا يفرق بين القرامطة والمعتزلة والحكماء، ولم يكن غرضه من الغزو نشر الإسلام والجهاد فى سبيل الله، بل كان هدفه الحصول على الغنائم ونهب ثروات المعابد الهندية المشهورة بكثرة ثرواتها وأصنامها الفضية والذهبية.
والحق أن محمود الغزنوى هو أول من فتح للأدب الفارسى الإسلامى آفاقاً جديدة فى بلاد الهند بعد أن حمل الثقافة الفارسية إليها. وكانت الدولة الغزنوية تحتفظ بطابعها التركى عسكرياً ولغوياًن وبعد أن كان الأتراك خدماً وأتباعاً أصبحوا يحكمون بأسمهم لا بإسم غيرهم، ومنذ ذلك الوقت كفت يد العنصر الآرى فيما وراء النهر التى خرجت من سيطرة الإيرانيين، ووقعت فى يد الأتراك.
إلا أن غزنة سقطت على يد السلاجقة الغز وهم فرع من الأتراك على الرغم من أن بعض المؤرخين يعتبرونهم تركمان، وكان السلطان محمود الغزنوى قد سمح لهم بالإقامة فى خراسان ولما قويت شوكتهم هزموا الغزنويين فى عام 431 هـ فى معركة "نداتقان" التى كانت بمثابة إصدار حكم نهاية سلطنة الغزنويين فيما وراء النهر وإيران. وكانت غارة السلاجقة (429 – 552 هـ) شرسة لما اتسمت به من قتل وحرق وهدم ونهب وتخريب.
وكانت أمور الجيش دائماً فى يد العنصر التركى، وأمور الدولة أى الديوان فى يد الكتاب والوزراء الإيرانيين، وكانت السلطة الروحية فى يد العباسيين والزمنية فى يد السلاجقة. ولعل أهم عمل يحسب للسلاجقة هو هزيمة الرومان فى موقعة ملازجرد عام 463 هـ. فى آسيا الصغرى. وفى العصر السلجوقى ظهرت طائفة شيعية عرفت باسم الإسماعيلية بزعامة الحسن الصباح الذى أرسل فدائيين إلى الأقاليم لقتل عظماً الترك (السلطة) والعرب (الخلافة).
وورث الخوارزميون (490 – 628 هـ) الأتراك الدولة السلجوقية بعد قتل طفرل الثالث فى عام 548 هـ وهزيمة السلاجقة، وهيمنوا على جميع أنحاء إيران، وكونوا دولة عرف حكامها ببطشهم وظلمهم، بعد أن كانوا تابعين للسلاجقة وتحت سيادتهم وفى خدمتهم فى البداية، ولم يتمكن الخوارزميون من التصدى لهجوم المغول الذين استولوا على جميع أنحاء إيران. وقد كانت الدولة الخوارزمية بمثابة الحد الفاصل بين المغول والإيرانيين. وعلى الرغم من أن أمراء الخوارزميين أتراك إلا أنهم احتفظوا باللقب الإيرانى القديم: خوارزمشاه.
وبعد المغول الذين يعتبرهم البعض من الجنس التركى، كون هولاكو فى إيران أسرة حاكمة عرفت فى التاريخ باسم الإيلخائيين، ويسميهم البعض: مغول إيران (663 – 756 هـ). وأعقبهم التيموريون (771 – 906 هـ)، وهم حفدة تيمور لنك الذى يقال إنه نشأ فى قبيلة مغولية متتركة.
وبعد انقراض الدولة التيمورية حكمت إيران دولتان تركمانيتان من عام 810 إلى عام 908 هـ، وقد اتخذت إحداهما الخروف الأسود شعاراً على علمها، فسميت: أصحاب الخراف السوداء (قره قويونلو)، واتخذت الأخرى الخروف الأبيض شعاراً على علمها فسميت: أصحاب الخراف البيضاء (آق قويونلو). وقد سقطت دولة قره قويونلو على يد ملوك دولة آق قويونلو فى عام 873 هـ، وتم الاستيلاء على جميع ممتلكاتهم، واستمرت دولة آق قويونلو تحكم إيران حتى عام 908 هـ، حتى سقطت على يد الصفويين. وأشهر أفراد هذه الأسرة حسن بك الملقب بالطويل (أوزون). وكانت هاتان الدولتان قد كونتهما عشيرتان تركمانيتان كبيرتان هاجرتا من تركستان إلى آذربيجان. وقد اختلفت الآراء فى كلمة تركمان، إلا أن الأقرب إلى الصواب هو أن أصلها فارس وهو: ترك ماننده: أى أشباه الترك. وهم يقيمون الآن فى آسيا الوسطى وشمال جرجان وشمال خراسان.
أما الصفويون الذين حكموا إيران من عام 905 هـ إلى 1148 هـ فهم ينتسبون إلى الشيخ صفى الدين الأردبيلى وهو من أهل آذربيجان، وأم الشاه إسماعيل الصفوى بنت أوزون حسن التركمانى. والشاه إسماعيل من أتراك آذربيجان. ومريدو أبيه من شيوخ الطريقة الصوفية (القزلباش – ممر الرؤوس) أتراك. وقد حول الصفويون إيران إلى دولة كل ما فيها تركى أو للعناصر التركية، وكان أتراك آذربيجان فى العصر الصفوى يشكلون أهم عنصر عسكرى فى الدولة، وكان ملوك الصفويين يتكلمون التركية بل إن بعضهم نظم الشعر باللغة التركية، كما كانت التركية لغة بلاطهم وديوانهم. وقد نشبت حروب فى عهد الصفويين بينهم وبين الأتراك العثمانيين، ومن أشهر هذه الحروب موقعة جالديران عام 1514م التى انتصر فيها العثمانيون نصراً مبيناً.
ويعتز الإيرانيون بالدولة الصفوية إيما اعتزاز، ويصورونها على أنها الدولة التى حققت حلمهم فى الوحدة والسيادة والقومية، بعد استعمار أو حكم أجنبى يتمثل فى الغزنويين والسلاجقة والخوارزميين (الأتراك) والمغول والتركمان.
وقد حكمت الدولة الأفشارية إيران بعد انقراض الدولة الصفوية، ومؤسس هذه الدولة نادر شاه (1735 – 1747م) الذى ينتمى إلى قبيلة أفشار التركمانية التى فرت من وجه المغول عند استيلائهم على تركستان واستقرت فى آذربيجان، ولقد ساءت الصلات بين الفرس والترك فى عهد نادر شاه. والإيرانيون يحبون نادر شاه الأفشارى ويقدرونه لأنه طرد الأفغان من إيران بعد احتلال دام سبع سنوات، وحارب العثمانيين وانتصر عليهم فى معركتين، وأبرم معاهدات سلام مع الروس، وفتح الهند بعد انتصاره فى معركة كرنال عام 1738م، وأحضر معه عرش الطاووس الشهير الذى كان آخر وريث له هو محمد رضا بهلوى (1941 – 1979م)، هذا إلى جانب مجوهرات ولألئ أخرى. وسمى بـ: نابليون الشرق أو نابليون إيران، لأنه انتصر فى جميع المعارك التى خاضها.
إلا أن بعض المؤرخين الإيرانيين ذكروا أن الإيرانيين يضمرون العداء لنادر شاه لإصراره على القضاء على المذهب الشيعى ونشر مذهب أهل السنة، وبسبب سعيه إلى محو اسم الدولة الصفوية، وحث الشعب الإيرانى على نسيان هذه الأسرة ونسيان آثارها وأعمالها الخيرة. كما تحدث هؤلاء المؤرخون عن قسوة نادر شاه وظلمه وشدة بطشه. وقد انقرضت الدولة الأفشارية سنة 1803.
وآخر دولة غير إيرانية حكمت إيران هى الدولة القاجارية (1793 – 1925م) والقاجاريون إحدى القبائل التركمانية، ويقول البعض إنهم من أصل مغولى، وكانت هذه القبيلة إحدى القبائل التركية السبع التى دعمت قيام الدولة الصفوية، نقلهم الشاه عباس الكبير من أرمينيا (موطنهم الأصلى) إلى أماكن مختلفة فى مملكته، ليصدوا هجمات القبائل المغيرة الأخرى.
وقد شجعت هذه الدولة على ذيوع الامتيازات الأجنبية فى إيران مما جعل النفوذ الأجنبى يتغلغل فى إيران فى عهدها. وتدخل الأجانب فى شئون البلاد. واقترض مظفر الدين شاه من الروس، فمنحهم حق السيطرة على إيران، حتى يستوفوا دينهم. ويصف "محمد رضا بهلوى" العصر القاجارى فى مذكراته التى كتبها فى منفاه بأنه "عصر ساد فيه الانحطاط والانقسام والهرج والمرج فى إيران". كما جأرت الرعية بالشكوى من ظلم حكامها واستبدادهم وقد أقام آخر ملوك هذه الدولة "أحمد شاه" مدة فى أوروبا، وخلعه رضا شاه عام 1925م لانصرافه عن أمور بلاده. وهكذا انتهت فترة حكم آخر سلالة تركية لإيران، وهى تعد لحظة تحول تاريخية فى إيران.
يقول الدكتور حسين مجيب المصرى عن صلة الترك بالفرس فى الفترات التى حكم فيها الأتراك إيران، "أنها لم تكن إلا صلة الظالم بالمظلوم، وما كانت سيرة الأتراك فى الإيرانيين إلا سيرة الذئب فى الغنم".
ونظراً لكل هذا الظلم وهذا العدوان اللذين مارستهما القبائل التركية ضد الإيرانيين، ليس عجيباً أن يكون اسم "الترك" علماً على الجور والبطش والأذى والقتل، وأن تظهر فى اللغة الفارسية تركيبات وألفاظ مشتقة من هذا الاسم تدل على الشر والعنف، مثل: تركتاز أو: تركتازى، بمعنى: الغارة والهجوم المقرون بالقتل والسلب والنهب والتخريب والتدمير. و"تركى" والياء هنا ياء مصدرية، بمعنى: ظلم وعدوان كما توجد فى اللغة الفارسية مصادر مركبة تحمل نفس المعنى، مثل: تركى رفتن، بمعنى سريان الظلم والعدوان، وتركى كرون بمعنى أن يظلم وأن يمارس السفه والقمع والقسوة، و"تركانه" وهى قيد وصف بمعنى: بظلم، وترك جوش بمعنى: لحم شبه ناضج، وتركوار بمعنى: مثل الترك، وبهانه تركى، وهى تعنى فى العامية الفارسية: اعتراض وأو التماس الأعذار التافهة.
وقد امتلأت دواوين الشعراء الفرس فى العصور المختلفة برأى الفرس فى الترك، وفيها ما فيها من قدح وتهكم وتهجم، وحديث عن ظلم الأتراك وعدم وفائهم وقسوتهم، وعن انعدام الوفاء والمروءة والشهامة.
يقول نظامى الكنجوى (535 – 597 هـ):
-روزقيامت زمن اين تركتاز. باز بيرسند وبيرسند باز
أى: فى يوم القيامة سوف يسألوننى كثيراً عن هذه الغارة وهذا الهجوم ويقول سنائى الغزنوى (المتوفى عام 535 هـ):
فى نبينيد آن سفيهانى كه تركى كرده اند
همجو جشم تنك تركان كورايشان تنك وتار
أى: ألا ترى إلى هؤلاء السفهاء الذين ظلموا كثيراً، جعل الله قبورهم مظلمة وضيقة مثل عيون الأتراك الضيقة.
كما أن هؤلاء الشعراء جعلوا الأتراك من غلمان وقيان موضوعاً لأشعارهم، وذلك فى مجال العشق وحالاته وأوصافه، وكانت لفظة "ترك" تعنى مجازاً: المعشوق الجميل الوجه، أو المعشوق قديم الوفاء، أو المعشوق الجرئ القاسى المجافى، وكثيراً ما شبهوا المعشوق بالتركى.
يقول سنائى الغزنوى:
-ماخود زتو اين جشم نداريم ازيراك
تو تركى وهركز نبود ترك وفادار
أى: نحن أنفسنا لا نطمع فيك، ذلك لأنك تركى والتركى لا يكون وفياً أبداً.
ويقول الشاعر معزى (المتوفى عام 520 هـ):
-اى ترك زبهرتو دلى دارم وجانى
ورهر دو بخواهى بتوبخشم بزمانى
أى: أيها المعشوق، إن لى قلباً وروحاً من أجلك، إذا كنت تريدهما فإننى أمنحهما لك زمناً.
يقول الدكتور ذبيح الله صنعا: فى القرن الرابع الهجرى قام الصراع بين العنصرين الفارسى والتركى على أساس عنصرى.وكان دفاعاً عن عنصر ضد عنصر آخر، لكن فى النصف الثانى من القرن الخامس وتمام القرن السادس أخذ هذا الصراع طابعاً آخر، فكان التحقير والتكبر والتعالى من جانب الترك، والنفور والخوف والوحشة والتقزز والتجنب من جانب الفرس. وبالرغم من سيطرة وهيمنة الغلمان والمماليك والقبائل التركية وأبناء الأتراك على إيران، كان الإيرانيون ينتقدون طباع الترك وحضارتهم ومقدار وفائهم ورجولتهم. وللإيرانيين أمثال شعبية تدور حول الأتراك، وتعبر عن شعورهم نحوهم، مثل: "أترك التروك ولو كان أبوك" – جواب التركى بالتركى، فقاذف الطوب جزاؤه حجر. وكذلك يسخر الإيرانى ممن يتصف بالبله وبطء الفهم ويصفه بأنه "ترك"، ويعتبر الترك من قرأ الفارسية ذهب نصف دينه، وهو شعور قديم ومتبادل بقى منه فى النفوس أثر، لعل مرده إلى كثرة الحروب والمنافسات التى استمرت بين الإيرانيين والأتراك قروناً طويلة.
ومما لا شك فيه أن الأتراك تأثروا بالمدينة الإيرانية، وتحولوا من البداوة إلى الحضارة، أى أن الأتراك الذين تغلبوا على البلاد المتدينة، وفرضوا أسراً تركية تحكم، وكونوا دولاً تركية خالصة، تأثروا حضارياً بالعناصر المغلوبة. وكان قد هاجر إلى إيران كثير من القبائل التركية من سهول التركستان فى أفواج متتالية من القرن العاشر الميلادى إلى القرن الرابع عشر، وكان أول إقليم ظهرت فيه رغبة فى الانفصال عن إيران هو إقليم آذربيجان. وإذا كان البعض قد اعتبر المغول من الجنس التركى، إلا أن بعض المؤرخين يعتبرون الترك غير المغول، ويقولون إن الترك أقرب إلى المغول من أى جنس آخر، وإن التقاليد البدوية فى آسيا الوسطى تزيد الترك قرباً من المغول. ومما يؤكد هذا القول أن تيمور لنك، الذى كانت أعماله فى التعمير لا تقل أثراً فى نفوس معاصريه عن أعماله فى التخريب والتدمير، نشأ فى قبيلة مغولية متتركة.
ولا يفوتنا فى نهاية المقال أن نشير إلى اضطراب الأحوال الاجتماعية والسياسية فى إيران خلال حكم الأتراك، وذلك طبقاً لما ذكرته جميع كتب التاريخ الإيرانية التى أكدت على أن المواطن الإيرانى لم يكن يأمن على روحه وممتلكاته خلال حكم الأتراك الذين كانوا يحصلون ضرائب باهظة من الإيرانيين، وكانوا ينفقونها على ملذاتهم.
وقد عبر أحد الشعراء الفرس عن حال أفراد الشعب فى بيت من أبيات الشعر، فقال:
- تا ولايت بدست تركانست. مرد آزاده بى زر ونانست
أى: طالما أن الولاية فى يد الأتراك، فلا ذهب للرجل الحر ولا خبز.
كما لا يفوتنا أن نشير إلى أن الدول التركية التى حكمت إيران فترات طويلة، قد أدت خدمات جليلة إلى اللغة الفارسية والأدب الفارسى، وعلى الرغم من أن حكام هذه الدول لم يكونوا من أصحاب اللسان الفارسى إلا أنهم شجعوا اللغة الفارسية، كما شجعوا الشعراء والأدباء الفرس، ونخص بالذكر دولة السلاجقة الذين كان عصرهم من أزهى عصور الأدب فى عهدهم، والذين ظهر فى عهدهم أشهر وزراء إيران بعد الإسلام وهو نظام الملك الذى أنشأ المساجد والمدارس فى المدن الإسلامية، وأشهرها المدرسة النظامية فى بغداد.
وجدير بالذكر أن اللغة التركية استعارت الكثير من الألفاظ والتراكيب الفارسية، وبسبب حكم الأتراك والتيموريين والمغول لإيران دخلت كلمات تركية ومغولية إلى اللغة الفارسية، وبعض هذه الكلمات لازال باقيا ومتداولاً حتى الآن. كما ظهرت بعض الألفاظ التركية فى أشعار بعض الشعراء الفرس. وراجت فى إيران الاصطلاحات العسكرية والاجتماعية والإدارية التركية، كما راجت الأسماء التركية.
مراجع البحث:
1- الإسلام فى آسيا الوسطى (بين الفتحين العربى والتركى): تأليف الدكتور/ حسن أحمد محمود – القاهرة – 1972م.
2- إيران دراسة عامة: تأليف الدكتور/ محمد وصفى أبوفعلى – بغداد – 1985م.
3- تاريخ الترك فى آسيا الوسطى: تأليف: و.بارتولد – ترجمة/ الدكتور أحمد السعيد سليمان ـ القاهرة ـ 1958م.
4- تاريخ مفصل إيران ازصدر اسلام تا انقراض قاجاريه: تأليف/ عباس اقبال آشتيانى – تهران – 1346 هـ.ش.
5- تاريخ إيران دريك نكاه: تأليف/ ناصر تكميل همايون – جاب جهارم – تهران – 1381 هـ.ش.
6- سركزشت غزنويان: به كوشش نادره جلالى – جاب دوم – زمستان – 1382 هـ.ش – تهران.
7- صلات بين العرب والفرس والترك ـ دراسة تاريخية أدبية: الدكتور/ حسين مجيب المصرى ـ القاهرة ـ 1971م.
8- غلامان وكينزكان در دوره هاى سامانى وغزنوى وسلجوقى: يحيى داود عباس – قاهرة – 1991م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق