كِتَاب الله على (بني إسرائيل) أن يكونوا في
الأرض على إحدى حالتين، علو المفسد حتى ميقــات يوم معلوم يبعث فيه الله
عليهم عباداً له أولي بأسٍ شديد يجوسون خلال الديار يتبرون ما علو تتبيرا،
وعد الله المفعول، مهما ردّ الله الكرّة
إليهم وأمدّهم بأموال وبنين وجعلهم أكثر نفيرا! مرّة من بعد أخرى يغتصب بنو
إسرائيل الأرض و(المسجد) ثم يُجلَونَ منه. وفق حالة من الشد والجذب
والإصطراع تنتظم علاقتهم بجماعة بشرية أخرى وعدها الله بعاقبة الأمر
والإستخلاف في الأرض. وفي سعيه لتقديم قراءة تدبرية لآيـات القرءان الكريم
المتعلقة بالخلق الأول ، يخلُصُ أستاذ الفكر السياسي بــ جامعة النيليــن
د. محمد مجذوب محمد صالح إلى أن ميراث الأرض وتكليف الإستخلاف فيها أمر
يؤول إلى المتقين من بني (آدم)، بينما تقوم علاقة (بني إسرائيل) بالأرض على
الإغتصــاب و الإقتلاع إذ أنهم لَيْسُواْ مستخلفين في الأرض وفق اشارات
قرآنية ، إنتهت بالدكتور إلى فكرة أن بني إسرائيل لَيْسُواْ من ذرية (آدم)
وإنما هم قوم تحدروا من أب آخر ومجموعة بشرية لها أصل مغاير لا ينتسب إلى
شجرة الإنبياء المنحدرين من صلب (آدم) عليه السلام. وتقوم فرضية د. محمد
مجذوب على: "أنه ليس بالضرورة أن (آدم) هو المخلوق الإنساني الأول الذي خلق
لأول مرة بل كانت هنالك مجموعة أزواج أخرى من البشـــــر خلقت في اللحظة
التي خلق فيها (آدم) متزامنة معه، وأن من بين هذه المجموعات البشرية
الأولــــى إسرائيل) وبنيه من بعده"! أنساب الأنبياء وعلاقات القربى بينهم
أمر يبدو جلياً من خلال قـراءات د. مجذوب إذ يمضي متتبعاً بالبحث شجرة
الأنبياء من جهة علاقة انساب بعضهم ببعض إبتداء بـ(آدم) وانتهاءً بسيدنا
محمد صلى الله عليه وسلم. يقول: "تتبع شجرة الأنبياء يثبت أن (إسرائيل) كان
حاضراً في زمان (آدم) دون أن يكون من أبناء (آدم) بل كان هو أباً أصيلاً
لذرية قوم آخريــن ضمن مجموعات أخرى من البشر كانت موجودة في عصـر آدم)
تحدّرت من آباء آخرين توقف نسلهم وانقطع مع بالطوفان"والسؤال الذي يثور
ضاجّاً .
هنا هو: هل بالإمكان إثبات هذه الفرضية؟
يعتمد التاريخ الإنساني على أن (إسرائيل) هو (يعقوب) بن إسحاق بن إبراهيم، مما يجعل بني إسرائيل يلتقون مع العرب –الذين هم أبناء إسماعيل- عند جدهم (إبراهيم) وبهذا ينتهي التاريخ الشائع كله إلى أن (إسرائيل) وبنيه من بعده ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام. بـــ صورة قاطعة يرد هذه النسبة: "هذا ما روّجت له الإسرائيليات عبر كتب التاريخ وما روّج له بنو إسرائيل أنفسهم في محاولتهم الإنتساب إلى إبراهيم الذي حاز شرف بيت النبوة
." يقول د. محمد مجذوب ويكمل تحليله: "من ناحية أخرى فإن أبناء يعقوب قد تعرّضوا لما يعرف بـ التيه أو الشتات وبهذا أصبح من السهل جداً الإنتساب إلي هذا البيت بإعتبار أن أبنــــاءه قد تفرقوا في الأرض فلم يعودوا في مجموعة واحدة يصعب اختراقها مما جعلها حلقة ضعيفــة قابلة أن ينتسب إليها من شاء فالتحق بها في من إنتسب إليها (بنو إسرائيل)" يمكن لـ د. مجذوب أن ينكر نسبة بني إسرائيل الشائعة لـ(يعقوب) ويمضي به الشك إلى أنها محض تلافيق إسرائيلية ولكن كيف له أن يثبت أن وجود (بني إسرائيل) كان سابقاً لــ وجود إبراهيم) و(يعقوب) يعتمد الباحث في ذلك على الآيات من (سورة الإسراء) التي يعتقد أنهــا تعطي إشارة واضحة على أن بني إسرائيل تاريخياً كانوا سابقين في الوجود لـ(إبراهيم) و يقرأ قوله تعالى: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِـــي وَكِيلاً، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً".. وإذ أن الخطاب في الآيات موجهٌ إلى موسى ومتحدث عن (بني إسرائيل) فإنه عندما لزم الأمر تعريفاً لبني إسرائيــــل هؤلاء ذكر النص أنهم " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ".. وهذا النص يعتبره د. محمد مجذوب واضح الدلالة على أن (بني إسرائيل) هم بالأصل ذرية (من حملنا مع نوح) ،أبعد من ذلك، دلالة أخرى أن هؤلاء الناس لَيْسُواْ من ذرية نوح! يقول: "وبالرجوع لآيات الطوفان قال تعالي: "حتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَ مَـا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ" ويخلص النظرُ في مقاربة الأيات هذه بالأخرى في سورة الإسراء إلى: "أنّ بني إسرائيل هؤلاء هم ذرية من آمن مع نوح الذين سُلكوا في الفلك بإنخراطهم في ثلة المؤمنين ذلك أن الخطاب يحصر المجموعات الناجية على (من كلٍ زوجين أثنين، وأهلك إلا من سبق عليه
القول، ومن آمن) وقد كان بنو إسرائيل في من آمن هؤلاء وهذا يجعلهم حاضرين في زمان نوح سابقين لزمان إبراهيم بل وخارج ذرية نوح بالنص الظاهر (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ)" بهذا المنطق يصبح انتساب بني إسرائيل إلى إبراهيم هو كذبة تاريخية كبرى وأسطورة من الأساطير المؤسسة لإسرائيل الحديثة" يؤكد د. محمد مجذوب. وإذ أن الإفتراض التليد يذهب إلى أن البشر جميعهم يتحدّرون من أب واحد هو (آدم) فما هو الدليل على وجود آباء آخرين للبشرية يمكن أن يكون (بني إسرائيل) ذرية بعضهم وكيف يسوغ أن يكون هؤلاء لا ينتسبون إلى (آدم) المؤسس الأول.؟؟ يعود الباحث إلى سورة آل عمران في سبيل تتبع شجرة الإنبياء:
"إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" .. شجرة الأنبياء الذين ينحدرون من (آدم) تضم (نوح، وآل إبراهيم، آل عمران) و تؤكد أن تلك الذرية بعضها من بعض، فإذا صحّ أنّ (بني إسرائيل) هم ذرّيةُ (من حملنا مع نوح) ننتهي إلى أنهم لَيْسُواْ أبناء (آدم) إذ أن أبناءه هم نوح ومن بعده (إبراهيم). وثمة قرينة أخرى تعضد ذات الفكرة تبدو من خلال القصة المشهورة حول قتل أحد أبني آدم لأخيه، ويحكي القرءان تلك الواقعة في قوله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ..." وإذ تروي الآيات واقعةً حدثت بين أبناء آدم) فإنها تنفلت فجأة فتعقب تعقيباً لا يتناسب مع طبيعة من وقع فيهم الحدث – أبناء آدم- والسياق الطبيعي أن تُضرب الموعظة ببني آدم (كتبنا على بني آدم) فإذا بالآية تقول تعليقاً على واقعة قتل أحد ابني آدم لأخيه: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً" ويجد د. مجذوب في تصويب الخطاب لبني إسرائيل وتوجيه الرسالة إليهم خاصة معنىً يدل على التزامن بين هاتين المجموعتين لحظة وقوع الحدث وإلا فليس ثمة سبب لتخصيصهم بالنذير في الآية طالما كانوا جزءً من أبناء (آدم) إذ كان الخطاب سيشملهم تلقائياً." قد تتوجه بإعتراض مفاده أن بني إسرائيل قد أسرفوا في قتل بعضهم بعضاً مما دعا إلى خصّهم بالقول، ويرد مجذوب بـ"أن الواقع يقول غير ذلك إذ أن أبناء آدم جميعهم يقتلون ويفسدون في الأرض وليس بنو إسرائيل بدعاً في ذلك." سوى ذلك فـ إنّ وجود مجموعة أزواج بشرية في ذلك الزمان الأول يبدو أكثر إتساقاً مع قواعد تحريم الزواج من الأخوات الذي انتهى إليه التشريع الإسلامي دون أن يكون قد مرّ بمراحل من التطور كان يحل فيها زواج المحارم من الأخوات والخالات ثم حرم من بعد، وبذا فلا حاجة لفكرة أن ابني آدم هابيل وقابيل) تزوجا من أختيهما، وبحسب د. محمد مجذوب فـ"إنّ هذه المزاعم بزواج الأخوات يدحضها القرءان إذ يقول الله في سورة الأعراف: "وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا َاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" وفي هذا دلالة على أن عمليات التزاوج البشري تمت بطرق مشروعة منذ اللحظة الأولى وهذا ما يتطلب وجود أزواج أخرين غير (آدم) و(حواء) ولا بد أن (إسرائيل) كان من بينها. إضافة على مجموعات أخرى تم الحكم عليها بالفناء فإغراقها وإيقاف تناسلها لدى طوفان نوح.
قرينة إضافية تعضد فكرة الأزواج البشرية المتزامنة مع آدم يقتنصها مجذوب في قراءته لآيات دخول (آدم) وزوجه الجنة و(خروجهم) منها في سورة البقرة: " وقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ" وإذ قال تعالى ساعة الإخراج من الجنة: " قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً" يبدو السؤال المهم: لماذا كان الدخول ثنائياً والخروج جماعياً.؟ يتساءل مجذوب ثم يقدم تصوره لإجابة نموذجية تفك الإشكال: "إلا إذا كان هنالك بشر آخرون تجاوزتهم القصة بالتركيز على (آدم) وزوجه بــ إعتبارهما (أبطال) القصة". ثمة قرينة قرءانية تتعلق بطعام ذلك الخلق الأول يرفد بها محمد مجذوب رؤيته تأتي في سورة الأنعام: "ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَ مِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ"فإذا كان كان محور حديث الآية هو خلق الإنسان في الأرحام فما معنى أن يذكر الطعام وبعدد محدد هو (ثمانية أزواج) وهل كان زوج واحد من البشر يحتاج لكل هذا العدد بأصنافه المختلفة من الإنعام؟ مما يؤشر إلى أن ثمة مجموعات بشرية كانت موجودة وتحتاج من الطعام في ذلك الوقت ما يعادل (ثمانية أزواج) من الضأن والمعز ومن الإبل والبقر."! بقي أن نشير إلى أن ثمة دلالات مهمة تجعلنا نفسح لهذه القراءات مساحة للتداول والتدبر و النظر كما يأمرنا الله عزّ وجل: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" وبذا فإن التأمل في مسألة بدء الخلق هو واجب يقتضيه الإيمان ويأمر به القرءان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القول بأن (بني إسرائيل ليسوا من ذرية آدم يفسر لنا طبيعة الصراع السياسي الذي وقع ويقع بين هذين الطرفين حول المقدسات، لا سيما وأن من يقرأ القرءان يجد أن هناك نظامين دينيين و نظامين إجتماعيين ومجموعتين بشريتين يتم خطابهما على السواء يتكافآن في خطاب التكريم لبني آدم والتفضيل لبني إسرائيل وإذا تعلق الأمر بإرسال الرسل وإنزال الشرائع جاء الخطاب للمجموعتين على السواء ولا يفترقان إلا عندما يتعلق الأمر بمسئولية الإستخلاف التي ينفرد بها بنو آدم وهذا فيما يرى د. محمد مجذوب أستاذ الفقه السياسي بجامعة النيلين جوهر الأزمة بين الطائفتين.
هنا هو: هل بالإمكان إثبات هذه الفرضية؟
يعتمد التاريخ الإنساني على أن (إسرائيل) هو (يعقوب) بن إسحاق بن إبراهيم، مما يجعل بني إسرائيل يلتقون مع العرب –الذين هم أبناء إسماعيل- عند جدهم (إبراهيم) وبهذا ينتهي التاريخ الشائع كله إلى أن (إسرائيل) وبنيه من بعده ينتسبون إلى إبراهيم عليه السلام. بـــ صورة قاطعة يرد هذه النسبة: "هذا ما روّجت له الإسرائيليات عبر كتب التاريخ وما روّج له بنو إسرائيل أنفسهم في محاولتهم الإنتساب إلى إبراهيم الذي حاز شرف بيت النبوة
." يقول د. محمد مجذوب ويكمل تحليله: "من ناحية أخرى فإن أبناء يعقوب قد تعرّضوا لما يعرف بـ التيه أو الشتات وبهذا أصبح من السهل جداً الإنتساب إلي هذا البيت بإعتبار أن أبنــــاءه قد تفرقوا في الأرض فلم يعودوا في مجموعة واحدة يصعب اختراقها مما جعلها حلقة ضعيفــة قابلة أن ينتسب إليها من شاء فالتحق بها في من إنتسب إليها (بنو إسرائيل)" يمكن لـ د. مجذوب أن ينكر نسبة بني إسرائيل الشائعة لـ(يعقوب) ويمضي به الشك إلى أنها محض تلافيق إسرائيلية ولكن كيف له أن يثبت أن وجود (بني إسرائيل) كان سابقاً لــ وجود إبراهيم) و(يعقوب) يعتمد الباحث في ذلك على الآيات من (سورة الإسراء) التي يعتقد أنهــا تعطي إشارة واضحة على أن بني إسرائيل تاريخياً كانوا سابقين في الوجود لـ(إبراهيم) و يقرأ قوله تعالى: "وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِـــي وَكِيلاً، ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً".. وإذ أن الخطاب في الآيات موجهٌ إلى موسى ومتحدث عن (بني إسرائيل) فإنه عندما لزم الأمر تعريفاً لبني إسرائيــــل هؤلاء ذكر النص أنهم " ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ".. وهذا النص يعتبره د. محمد مجذوب واضح الدلالة على أن (بني إسرائيل) هم بالأصل ذرية (من حملنا مع نوح) ،أبعد من ذلك، دلالة أخرى أن هؤلاء الناس لَيْسُواْ من ذرية نوح! يقول: "وبالرجوع لآيات الطوفان قال تعالي: "حتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَ مَـا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ" ويخلص النظرُ في مقاربة الأيات هذه بالأخرى في سورة الإسراء إلى: "أنّ بني إسرائيل هؤلاء هم ذرية من آمن مع نوح الذين سُلكوا في الفلك بإنخراطهم في ثلة المؤمنين ذلك أن الخطاب يحصر المجموعات الناجية على (من كلٍ زوجين أثنين، وأهلك إلا من سبق عليه
القول، ومن آمن) وقد كان بنو إسرائيل في من آمن هؤلاء وهذا يجعلهم حاضرين في زمان نوح سابقين لزمان إبراهيم بل وخارج ذرية نوح بالنص الظاهر (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ)" بهذا المنطق يصبح انتساب بني إسرائيل إلى إبراهيم هو كذبة تاريخية كبرى وأسطورة من الأساطير المؤسسة لإسرائيل الحديثة" يؤكد د. محمد مجذوب. وإذ أن الإفتراض التليد يذهب إلى أن البشر جميعهم يتحدّرون من أب واحد هو (آدم) فما هو الدليل على وجود آباء آخرين للبشرية يمكن أن يكون (بني إسرائيل) ذرية بعضهم وكيف يسوغ أن يكون هؤلاء لا ينتسبون إلى (آدم) المؤسس الأول.؟؟ يعود الباحث إلى سورة آل عمران في سبيل تتبع شجرة الإنبياء:
"إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" .. شجرة الأنبياء الذين ينحدرون من (آدم) تضم (نوح، وآل إبراهيم، آل عمران) و تؤكد أن تلك الذرية بعضها من بعض، فإذا صحّ أنّ (بني إسرائيل) هم ذرّيةُ (من حملنا مع نوح) ننتهي إلى أنهم لَيْسُواْ أبناء (آدم) إذ أن أبناءه هم نوح ومن بعده (إبراهيم). وثمة قرينة أخرى تعضد ذات الفكرة تبدو من خلال القصة المشهورة حول قتل أحد أبني آدم لأخيه، ويحكي القرءان تلك الواقعة في قوله تعالى: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ..." وإذ تروي الآيات واقعةً حدثت بين أبناء آدم) فإنها تنفلت فجأة فتعقب تعقيباً لا يتناسب مع طبيعة من وقع فيهم الحدث – أبناء آدم- والسياق الطبيعي أن تُضرب الموعظة ببني آدم (كتبنا على بني آدم) فإذا بالآية تقول تعليقاً على واقعة قتل أحد ابني آدم لأخيه: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ (كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً ِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً" ويجد د. مجذوب في تصويب الخطاب لبني إسرائيل وتوجيه الرسالة إليهم خاصة معنىً يدل على التزامن بين هاتين المجموعتين لحظة وقوع الحدث وإلا فليس ثمة سبب لتخصيصهم بالنذير في الآية طالما كانوا جزءً من أبناء (آدم) إذ كان الخطاب سيشملهم تلقائياً." قد تتوجه بإعتراض مفاده أن بني إسرائيل قد أسرفوا في قتل بعضهم بعضاً مما دعا إلى خصّهم بالقول، ويرد مجذوب بـ"أن الواقع يقول غير ذلك إذ أن أبناء آدم جميعهم يقتلون ويفسدون في الأرض وليس بنو إسرائيل بدعاً في ذلك." سوى ذلك فـ إنّ وجود مجموعة أزواج بشرية في ذلك الزمان الأول يبدو أكثر إتساقاً مع قواعد تحريم الزواج من الأخوات الذي انتهى إليه التشريع الإسلامي دون أن يكون قد مرّ بمراحل من التطور كان يحل فيها زواج المحارم من الأخوات والخالات ثم حرم من بعد، وبذا فلا حاجة لفكرة أن ابني آدم هابيل وقابيل) تزوجا من أختيهما، وبحسب د. محمد مجذوب فـ"إنّ هذه المزاعم بزواج الأخوات يدحضها القرءان إذ يقول الله في سورة الأعراف: "وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا َاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" وفي هذا دلالة على أن عمليات التزاوج البشري تمت بطرق مشروعة منذ اللحظة الأولى وهذا ما يتطلب وجود أزواج أخرين غير (آدم) و(حواء) ولا بد أن (إسرائيل) كان من بينها. إضافة على مجموعات أخرى تم الحكم عليها بالفناء فإغراقها وإيقاف تناسلها لدى طوفان نوح.
قرينة إضافية تعضد فكرة الأزواج البشرية المتزامنة مع آدم يقتنصها مجذوب في قراءته لآيات دخول (آدم) وزوجه الجنة و(خروجهم) منها في سورة البقرة: " وقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ" وإذ قال تعالى ساعة الإخراج من الجنة: " قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً" يبدو السؤال المهم: لماذا كان الدخول ثنائياً والخروج جماعياً.؟ يتساءل مجذوب ثم يقدم تصوره لإجابة نموذجية تفك الإشكال: "إلا إذا كان هنالك بشر آخرون تجاوزتهم القصة بالتركيز على (آدم) وزوجه بــ إعتبارهما (أبطال) القصة". ثمة قرينة قرءانية تتعلق بطعام ذلك الخلق الأول يرفد بها محمد مجذوب رؤيته تأتي في سورة الأنعام: "ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَ مِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ"فإذا كان كان محور حديث الآية هو خلق الإنسان في الأرحام فما معنى أن يذكر الطعام وبعدد محدد هو (ثمانية أزواج) وهل كان زوج واحد من البشر يحتاج لكل هذا العدد بأصنافه المختلفة من الإنعام؟ مما يؤشر إلى أن ثمة مجموعات بشرية كانت موجودة وتحتاج من الطعام في ذلك الوقت ما يعادل (ثمانية أزواج) من الضأن والمعز ومن الإبل والبقر."! بقي أن نشير إلى أن ثمة دلالات مهمة تجعلنا نفسح لهذه القراءات مساحة للتداول والتدبر و النظر كما يأمرنا الله عزّ وجل: " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" وبذا فإن التأمل في مسألة بدء الخلق هو واجب يقتضيه الإيمان ويأمر به القرءان، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القول بأن (بني إسرائيل ليسوا من ذرية آدم يفسر لنا طبيعة الصراع السياسي الذي وقع ويقع بين هذين الطرفين حول المقدسات، لا سيما وأن من يقرأ القرءان يجد أن هناك نظامين دينيين و نظامين إجتماعيين ومجموعتين بشريتين يتم خطابهما على السواء يتكافآن في خطاب التكريم لبني آدم والتفضيل لبني إسرائيل وإذا تعلق الأمر بإرسال الرسل وإنزال الشرائع جاء الخطاب للمجموعتين على السواء ولا يفترقان إلا عندما يتعلق الأمر بمسئولية الإستخلاف التي ينفرد بها بنو آدم وهذا فيما يرى د. محمد مجذوب أستاذ الفقه السياسي بجامعة النيلين جوهر الأزمة بين الطائفتين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق