يحلو
للبعض خاصة وهو يرواغ الآخرين فى مسألة لا يفهم أبعادها خاصة بعد أن يواجه
بحجيّة آية من كتاب الله أن يقول (هذه الآية منسوخة) – وكأن الناسخ
والمنسوخ محفور ومحفوظ فى رأسه ويعلم أبعاده – وهؤلاء البعض يتأولون بلا
ضابط الآية الكريمة التى قال الله فيها:(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ
نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:106)
والحقيقة أن الكثيرين لا ينضبطون مع معنى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فيتصورونه فى القرءآن بينما أن الله يذكر أنه ينسخ الشرائع بعضها ببعض فرسالة محمد ناسخة لرسالة التوراة وإن كان فيها تعاليم مثل التى فى التوراة..وهكذا فى قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل:101) تعنى أيضا تبديل الشرائع والتشريعات، فتشريع التوبة كان على عهد اليهود بقتل النفس ولكنه فى شريعة محمد باللجوء بصدق التوبة إلى الله، وشريعة محمد ناسخه لشريعة موسى ـ كذا فقد نسخ الله قبلة الصلاة عند اليهود والنصارى فجعلها إلى البيت العتيق.. وهكذا
ولقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية فى مصر فى اجتماعه فى 25 محرم 1395 الموافق 6/2/ 1975 حين كان ينظر الأحداث الدموية فى الصومال وأصدر ما نصه ( إن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ليهولنه أن يوجد فيمن انتسب إلى الإسلام من يطعن فى كتابه فيزعم فى خطبه علنية أن نصفه منسوخ أو متناقض أو بطل العمل به، تلك هي الصيحة الآثمة الباطلة التي رمى بها الإسلام وكتابه؛ وهو الكتاب الذى يقول الله فيه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة:176)
وهو الكتاب الذى أحكم بيانه وفصلت أحكامه (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:1)
وإنه الحق الذى لا مريه فى صدقه ولا اعتراض عليه (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2)
إن هذه الدعوة كفر بكتاب الله.وإن مشيخة الأزهر لتهيب بالعالم الإسلامي بل بكل مسلم أن ينصب نفسه لاتقاء هذه الآثام ومدافعة هذه الشرور....المرجع مجلة الأزهر الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر جزء 3 السنة 47 ربيع الأول 1395 هو ابريل 1975 ( ص 265 إلى ص 268).
وإنّ كثيرا من العلماء ذهبوا إلى عدم جواز النّسخ فى القرءآن من بينهم العلاّمة عبد المتعال الجابري والشيخ/محمد الغزالي والدكتور /محمد البهي وزير الأوقاف الأسّبق بمصر والدكتور/ مصطفى زيد والأستاذ /عبد الكريم الخطيب الذى قال (يرى عدد غير قليل من العلماء أنّ النّسخ فى القرءآن ليس نسخا بمعنى إزالة الحكم كما ذهب إلى ذلك القائلون بالنسخ وإنما هو نسيء وتأخير أو مجمل أخّر بيانه أو خطاب قد حال بينه وبين أوّله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى فى معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ـ أي القائلون بالنسخ ـ أن هذا نسخ وليس به وأنّه ـ أي القرءآن ـ الكتاب المهيمن على غيره وهو نفسه متعاضد ولا نسخ فيه..........انتهى.
وإن عدم وجود همّة لدى المجامع الفقهية فى توحيد الصف الإسلامى والرأى الإسلامى خاصة فى مسألة شائكة مثل تلك المسألة التى بأيدنا وعدم وجود جهاز إعلامي يعلّم المسلمين بما اتفق عليه علماؤهم يجعل المسلمون يجرّون أذيال الرجعية الفكرية مئات السنين قبل أن يعلموا بما انتهى إليه علماؤهم فإذا ما أضيف لذلك قلّة إقبالهم على القراءة والبحث فإننا سنعلم سبب ما نحن فيه من تردّى فى الفكر الديني.
ولقد اشترك وضّاع الأحاديث فى هذه الفتنه ( فتنه ما يسمى بالناسخ والمنسوخ فى كتاب الله ) خاصة فى حديث الغرانيق وحديث الشيخ والشيخة فارجموهما....... الخ.ولست أدرى كيف بكثير من الدعاة يتشدّق ويقول عن عمر بن الخطّاب أنه قال( لولا أن خشيت أن يقولوا أزاد عمر فى كتاب الله لأمرت بوضع آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) كيف بخطباء الفتة هؤلاء يتقوّلون على عمر مالم يتم التحقق أنه صدر عن عمر أم أنهم سيخرجون علينا بتبريراتهم وحججهم التى لا تنضب، أم تراها منافسة بين أهل السنّة وبين الشيعة فهم يعظّمون عليا ونحن نعظّم عمر.
إن المسلمون فى عصور التّابعين وضعوا الأحاديث على سيد الخلائق أفلا يضعونها على عمر بن الخطّاب وأبى هريرة وعلى بن أبى طالب؟؟؟؟ وإن من بين ما وضعوه على عمر بن الخطّاب فى أقاصيصهم أنّه عطّل الحدود فى عام المجاعة وهذا من قلّة أدب القائل وسوء فقه السامع المطيع إذ أن عمر قد طبّق تعاليم الإسلام، فما يكون له شرعا أن يقطع يد السارق الجائع حينما يسرق من غنى يمنع عنه زادا حتى يموت ـ ولكنها كلمة باطل أريد بها باطل فينسبون لعمر بن الخطّاب أنه عطّل الحدود كي يعطّل الحكّام أحكام الحدود على هواهم.
وإن الله تعالى حين قال:- (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الكهف:27) ـ إنما يعنى أن كلمات الله وأحكامه لا يمكن أن تبدّل بنصوص بشريّه حتى لو كان هذا البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم.فيقول تعالى (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (الحاقة:44:46)
والغريب والعجيب أن علماء الناسخ والمنسوخ وضعوا ضوابط ولم ينفّذونها فقالوا من شروطهم ثلاثة شروط:ـ
1ـ أن يكون النص الناسخ فى قوّة النص المنسوخ أو أقوى منه.
2ـ أن يكون النص النّاسخ متأخرا عن النص المنسوخ وأن نعلم ذلك بيقين.
3ـ أن يتعذّر الجمع بين النصين.
بل تجدهم وقد قالوا أجمل من ذلك فقالوا عن تعريف النسخ:ـ
*النسخ :ـ إبداء من الله وليس بداء عليه.
*النسخ :ـ إظهار من الله وليس ظهور له .
*النسخ :ـ كشف من الله وليس انكشافا له.
فتدبّر رحمك الله جمال كلماتهم وقوّة نظمهم لمبادئ البدعة فى علومهم ـ أليسوا هؤلاء هم الذين استبدلوا نصّ الجلد للزناة المحصنين الوارد في كتاب الله بنص وارد في أحاديث نسبوها لرسول الله، وهل ووفق ما ذكرناه من مبادئهم السابقة ألا تكون السنّة أقوى من القرءآن في الحكم لأنها نسخت آياته؛ وكيف بالمرأة التي كانت قد زنت وحدّها عندهم الرجم ؟؟ فكيف بالأمة المحصنة إذا زنت؟؟؟ إن الله قد بيّن عقوبتها في كتابه في الآية 25 من سورة النساء وهى نصف ما على المحصنات الحرائر من العذاب فكيف سنحدد ذلك النّصف وننفذه هل سنقوم بخربشتها أم نقوم بقتلها نصف قتلة أم سنتركها بلا عقاب حتى يستريح أهل النسخ في القرءآن ـ إن رزايا التناقض والسقوط تكون حينما يعمل الفكر البشرى بمعاوله في كتاب الله بضوابط بشريه بينما يظنّها ضوابط علميه.
ومن بين من تزعموا منهج الناسخ والمنسوخ في داخل دفتي القرءآن الشيخ الشهير قديما /جلال الدين السيوطى ولكن عارضه الشيخ الشهير حديثا/ محمد الغزالي حيث ذكر في كتابه دستور الوحدة الثقافية للمسلمين ص50 ما نصّه:ـ (ونحن نستغرب من بعض المفسّرين ولوعهم بذكر النسخ حتّى ليكاد يكون ذلك مرضا عند السيوطى غفر الله له، فقد حكم بنسخ عدّة مئات من الآيات متعلقا بآراء ومرويّات تافهة).وإني أرى أن يستتاب أصحاب منهج الناسخ والمنسوخ داخل القرءآن وخاصة من يزعمون بنسخ السنّة للقرءآن.
إن النسخ من شرائع اليهود وهو ليس موضوعنا، أما القرءآن الكريم فلا يوجد به ناسخ ولا منسوخ فكل آياته مفروضة وكلها ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ وإن أول القائلين بالنسخ في القرءآن هم الذين دخلوا الإسلام وفى قلوبهم مرض ثم جاء من بعدهم أناس ممن ينقلون بلا وعى, وإذا كان هناك من برعوا في وضع الأحاديث على النبي فإن هناك من تأبطوا بالقرءآن شرا عن طريق لعبة الناسخ والمنسوخ، وقد ذاد المخلصون عن كتاب الله فهناك مئات المؤلفات التي تبعد وجود شبهة منسوخ فى كتاب الله، والذين قالوا بالنسخ اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة في كل سوره بل واختلفوا في بعض السور هل بها نسخ أم لا ؟ وإن الأمة الإسلامية إن تركت كتاب الله نهبا لهذا الهراء الشيطاني فإنها خاسرة لا محالة.
وقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن القرءآن لا تنسخه السنّة ولا تزيد فيه مطلقا وإن للرسول أن يبين ويفصّل ما أجمل في القرءآن واستدلوا بما جاء في الحديث ( إذا روى عنى الحديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوا وما خالفه فردّوه).
كما وان قولهم فىمعنى أن ينسخ القرءآن نفسه يعنى وجود آيات بطل العمل بها ومسطورة في كتاب الله وحاش لله أن تكون هذه عقيدة مسلم خاصة إذا علم هذا المسلم أن علماء النسخ في القرءآن لم يتّحدوا في عدد الآيات المنسوخة ولا في مكانها في السّور ـ وأستعرض للقارئ الكريم بعضا من مفاهيمهم واختلافهم في قضايا الناسخ والمنسوخ عن العلماء السابقين وقد سطّرها ابن الجوزى فى كتابه نواسخ القرءآن وهى:ـ
*فهي عند ابن حزم الأنصاري 214 قضية
*وعند أبى جعفر النحاس 134 قضية
*وعند ابن سلامة213 قضية.
* وعند مكي بن أبى طالب 200 قضية.
*وعند عبد القاهر البغدادي 66 قضية فقط.
* وعند بن بركات 210 قضية.
*وهى عند ابن الجو زى 247 قضية في 62 سورة
(المرجع نواسخ القرءآن للعلامة ابن الجو زى ص 515 الصادر عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ).
وقد أرفقت بهذا الأمر دراسة في هيئة جداول قام بها أحد الباحثين بهذه الجامعة في أحد الرسالات البحثية العليا وهو محمد أشرف على الملبارى.وذلك حتى يقف المسلم على حجم الكارثة العقائدية التي تصيبه من جرّاء الإيمان بوجود ناسخ ومنسوخ داخل كتاب الله،(راجع ملحق النّسخ والمنسوخ عند ابن الجوزى بآخر الكتاب).
كذا فإن السنة لا تنسخ القرءآن، فكتاب الله كلّه من أوّل آية بسم الله الرحمن الرحيم الموجودة في سورة الفاتحة وحتى آية (من الجنّة والنّاس )الموجودة في سورة الناس كلّها معمول بها، وسنسأل عن كل حرف فيه.
وإن القائلين بالنسخ تعطّلت عندهم حاسة التدبّر لآيات كتاب الله كما وأن جمع من القائلين بالنسخ ممن قالوا أن الله تدرّج في التشريع القرءآنى واتخذوا لذلك مثالا في موضوع الخمر وموضوع رجم الزناة الذين أحصنوا (سبق أو كانوا متزوّجين) كانوا مخطئين.
ومثال آخر على ما يدّعون به النّسخ في القرءآن وذلك في سورة الأنفال في الآيات 65&66 حيث يتصوّرون النّسخ في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }الأنفال65 فقالوا بأنها منسوخة بالآية التي تليها في قوله تعالى {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال66
فحقيقة الآيتين ليس فيهما نسخ لأن الآية الأولى تتحدّث عن المؤمن القوىّ الصّابر بأنّه يغلب عشرة وحده، أمّا الآية الثّانية فتعنى بالمسلم الصّابر الضعيف (وعلم أنّ فيكم ضعفا) بأنه يغلب فردين اثنين وهو أمر من أمور التخفيف في حال الضّعف ولا نسخ في ذلك، ويترتّب على الآية الثّانية جواز فرار المؤمن من الزّحف إذا تكاثر عليه الأعداء في حدود الأعداد المذكورة ولا يكون قد ارتكب بفراره ذنبا من الكبائر وهو الفرار من الزّحف.....وهكذا فإن جميع تأويلات أصحاب الرأي بالنسخ لا تنهض إلى مستوى الفقه الجيّد بأحكام وأسرار التّنزيل بل أنها دعوة للكفر ببعض آيات كتاب الله تحت مظلّة الاجتهاد، وأظنّها الدعوة الحقيقية للتبديل والتحريف باسم الفقه وبما رآه البعض أنّه سنّة، وسمحوا لسنّتهم المزعومة بالاعتداء على كتاب الله باسم الناسخ والمنسوخ.وما هو إلا كهنوت جديد يجعل من الدين حكرا على كل مبتدع، نعم مبتدع وأكتبها بكلّ الثقة لأن كل مسلم عليه أن يسأل أحد فقهاء النسخ فى القرءآن فهذا يجيبه بمنهاج الناسخ وذلك يجيبه بمنهاج المنسوخ، ولا أذكر ذلك افتراءا عليهم بل هي حقيقتهم لأنهم لم يتّفقوا ما هو الناسخ ولا ماهو المنسوخ ولكن اتفقوا على العبث بكتاب الله وأسموه علما تمنح فيه الشهادات، وهم لا يدركون حجم المصيبة طالما أنهم متمسّكون بالناسخ والمنسوخ ويسمّونه التمسك بالثوابت ولست أدرى لماذا لم تكن آيات كتاب الله هي الأولى بأن يطلق عليها لفظ ثوابت.
وسوف أخوض معهم فيما انتهوا إليه لإثبات عدم نسخ الشرائع داخل القرءآن فيما يخص الخمر ثم فيما يخص الرجم.
والحقيقة أن الكثيرين لا ينضبطون مع معنى ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها فيتصورونه فى القرءآن بينما أن الله يذكر أنه ينسخ الشرائع بعضها ببعض فرسالة محمد ناسخة لرسالة التوراة وإن كان فيها تعاليم مثل التى فى التوراة..وهكذا فى قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل:101) تعنى أيضا تبديل الشرائع والتشريعات، فتشريع التوبة كان على عهد اليهود بقتل النفس ولكنه فى شريعة محمد باللجوء بصدق التوبة إلى الله، وشريعة محمد ناسخه لشريعة موسى ـ كذا فقد نسخ الله قبلة الصلاة عند اليهود والنصارى فجعلها إلى البيت العتيق.. وهكذا
ولقد أصدر مجمع البحوث الإسلامية فى مصر فى اجتماعه فى 25 محرم 1395 الموافق 6/2/ 1975 حين كان ينظر الأحداث الدموية فى الصومال وأصدر ما نصه ( إن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ليهولنه أن يوجد فيمن انتسب إلى الإسلام من يطعن فى كتابه فيزعم فى خطبه علنية أن نصفه منسوخ أو متناقض أو بطل العمل به، تلك هي الصيحة الآثمة الباطلة التي رمى بها الإسلام وكتابه؛ وهو الكتاب الذى يقول الله فيه (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ) (البقرة:176)
وهو الكتاب الذى أحكم بيانه وفصلت أحكامه (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:1)
وإنه الحق الذى لا مريه فى صدقه ولا اعتراض عليه (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2)
إن هذه الدعوة كفر بكتاب الله.وإن مشيخة الأزهر لتهيب بالعالم الإسلامي بل بكل مسلم أن ينصب نفسه لاتقاء هذه الآثام ومدافعة هذه الشرور....المرجع مجلة الأزهر الصادرة عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر جزء 3 السنة 47 ربيع الأول 1395 هو ابريل 1975 ( ص 265 إلى ص 268).
وإنّ كثيرا من العلماء ذهبوا إلى عدم جواز النّسخ فى القرءآن من بينهم العلاّمة عبد المتعال الجابري والشيخ/محمد الغزالي والدكتور /محمد البهي وزير الأوقاف الأسّبق بمصر والدكتور/ مصطفى زيد والأستاذ /عبد الكريم الخطيب الذى قال (يرى عدد غير قليل من العلماء أنّ النّسخ فى القرءآن ليس نسخا بمعنى إزالة الحكم كما ذهب إلى ذلك القائلون بالنسخ وإنما هو نسيء وتأخير أو مجمل أخّر بيانه أو خطاب قد حال بينه وبين أوّله خطاب غيره أو مخصوص من عموم أو حكم عام لخاص أو لمداخلة معنى فى معنى وأنواع الخطاب كثيرة فظنوا ـ أي القائلون بالنسخ ـ أن هذا نسخ وليس به وأنّه ـ أي القرءآن ـ الكتاب المهيمن على غيره وهو نفسه متعاضد ولا نسخ فيه..........انتهى.
وإن عدم وجود همّة لدى المجامع الفقهية فى توحيد الصف الإسلامى والرأى الإسلامى خاصة فى مسألة شائكة مثل تلك المسألة التى بأيدنا وعدم وجود جهاز إعلامي يعلّم المسلمين بما اتفق عليه علماؤهم يجعل المسلمون يجرّون أذيال الرجعية الفكرية مئات السنين قبل أن يعلموا بما انتهى إليه علماؤهم فإذا ما أضيف لذلك قلّة إقبالهم على القراءة والبحث فإننا سنعلم سبب ما نحن فيه من تردّى فى الفكر الديني.
ولقد اشترك وضّاع الأحاديث فى هذه الفتنه ( فتنه ما يسمى بالناسخ والمنسوخ فى كتاب الله ) خاصة فى حديث الغرانيق وحديث الشيخ والشيخة فارجموهما....... الخ.ولست أدرى كيف بكثير من الدعاة يتشدّق ويقول عن عمر بن الخطّاب أنه قال( لولا أن خشيت أن يقولوا أزاد عمر فى كتاب الله لأمرت بوضع آية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ) كيف بخطباء الفتة هؤلاء يتقوّلون على عمر مالم يتم التحقق أنه صدر عن عمر أم أنهم سيخرجون علينا بتبريراتهم وحججهم التى لا تنضب، أم تراها منافسة بين أهل السنّة وبين الشيعة فهم يعظّمون عليا ونحن نعظّم عمر.
إن المسلمون فى عصور التّابعين وضعوا الأحاديث على سيد الخلائق أفلا يضعونها على عمر بن الخطّاب وأبى هريرة وعلى بن أبى طالب؟؟؟؟ وإن من بين ما وضعوه على عمر بن الخطّاب فى أقاصيصهم أنّه عطّل الحدود فى عام المجاعة وهذا من قلّة أدب القائل وسوء فقه السامع المطيع إذ أن عمر قد طبّق تعاليم الإسلام، فما يكون له شرعا أن يقطع يد السارق الجائع حينما يسرق من غنى يمنع عنه زادا حتى يموت ـ ولكنها كلمة باطل أريد بها باطل فينسبون لعمر بن الخطّاب أنه عطّل الحدود كي يعطّل الحكّام أحكام الحدود على هواهم.
وإن الله تعالى حين قال:- (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) (الكهف:27) ـ إنما يعنى أن كلمات الله وأحكامه لا يمكن أن تبدّل بنصوص بشريّه حتى لو كان هذا البشر رسول الله صلى الله عليه وسلم.فيقول تعالى (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) (الحاقة:44:46)
والغريب والعجيب أن علماء الناسخ والمنسوخ وضعوا ضوابط ولم ينفّذونها فقالوا من شروطهم ثلاثة شروط:ـ
1ـ أن يكون النص الناسخ فى قوّة النص المنسوخ أو أقوى منه.
2ـ أن يكون النص النّاسخ متأخرا عن النص المنسوخ وأن نعلم ذلك بيقين.
3ـ أن يتعذّر الجمع بين النصين.
بل تجدهم وقد قالوا أجمل من ذلك فقالوا عن تعريف النسخ:ـ
*النسخ :ـ إبداء من الله وليس بداء عليه.
*النسخ :ـ إظهار من الله وليس ظهور له .
*النسخ :ـ كشف من الله وليس انكشافا له.
فتدبّر رحمك الله جمال كلماتهم وقوّة نظمهم لمبادئ البدعة فى علومهم ـ أليسوا هؤلاء هم الذين استبدلوا نصّ الجلد للزناة المحصنين الوارد في كتاب الله بنص وارد في أحاديث نسبوها لرسول الله، وهل ووفق ما ذكرناه من مبادئهم السابقة ألا تكون السنّة أقوى من القرءآن في الحكم لأنها نسخت آياته؛ وكيف بالمرأة التي كانت قد زنت وحدّها عندهم الرجم ؟؟ فكيف بالأمة المحصنة إذا زنت؟؟؟ إن الله قد بيّن عقوبتها في كتابه في الآية 25 من سورة النساء وهى نصف ما على المحصنات الحرائر من العذاب فكيف سنحدد ذلك النّصف وننفذه هل سنقوم بخربشتها أم نقوم بقتلها نصف قتلة أم سنتركها بلا عقاب حتى يستريح أهل النسخ في القرءآن ـ إن رزايا التناقض والسقوط تكون حينما يعمل الفكر البشرى بمعاوله في كتاب الله بضوابط بشريه بينما يظنّها ضوابط علميه.
ومن بين من تزعموا منهج الناسخ والمنسوخ في داخل دفتي القرءآن الشيخ الشهير قديما /جلال الدين السيوطى ولكن عارضه الشيخ الشهير حديثا/ محمد الغزالي حيث ذكر في كتابه دستور الوحدة الثقافية للمسلمين ص50 ما نصّه:ـ (ونحن نستغرب من بعض المفسّرين ولوعهم بذكر النسخ حتّى ليكاد يكون ذلك مرضا عند السيوطى غفر الله له، فقد حكم بنسخ عدّة مئات من الآيات متعلقا بآراء ومرويّات تافهة).وإني أرى أن يستتاب أصحاب منهج الناسخ والمنسوخ داخل القرءآن وخاصة من يزعمون بنسخ السنّة للقرءآن.
إن النسخ من شرائع اليهود وهو ليس موضوعنا، أما القرءآن الكريم فلا يوجد به ناسخ ولا منسوخ فكل آياته مفروضة وكلها ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ وإن أول القائلين بالنسخ في القرءآن هم الذين دخلوا الإسلام وفى قلوبهم مرض ثم جاء من بعدهم أناس ممن ينقلون بلا وعى, وإذا كان هناك من برعوا في وضع الأحاديث على النبي فإن هناك من تأبطوا بالقرءآن شرا عن طريق لعبة الناسخ والمنسوخ، وقد ذاد المخلصون عن كتاب الله فهناك مئات المؤلفات التي تبعد وجود شبهة منسوخ فى كتاب الله، والذين قالوا بالنسخ اختلفوا في عدد الآيات المنسوخة في كل سوره بل واختلفوا في بعض السور هل بها نسخ أم لا ؟ وإن الأمة الإسلامية إن تركت كتاب الله نهبا لهذا الهراء الشيطاني فإنها خاسرة لا محالة.
وقد ذهب كثير من الأصوليين إلى أن القرءآن لا تنسخه السنّة ولا تزيد فيه مطلقا وإن للرسول أن يبين ويفصّل ما أجمل في القرءآن واستدلوا بما جاء في الحديث ( إذا روى عنى الحديث فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فاقبلوا وما خالفه فردّوه).
كما وان قولهم فىمعنى أن ينسخ القرءآن نفسه يعنى وجود آيات بطل العمل بها ومسطورة في كتاب الله وحاش لله أن تكون هذه عقيدة مسلم خاصة إذا علم هذا المسلم أن علماء النسخ في القرءآن لم يتّحدوا في عدد الآيات المنسوخة ولا في مكانها في السّور ـ وأستعرض للقارئ الكريم بعضا من مفاهيمهم واختلافهم في قضايا الناسخ والمنسوخ عن العلماء السابقين وقد سطّرها ابن الجوزى فى كتابه نواسخ القرءآن وهى:ـ
*فهي عند ابن حزم الأنصاري 214 قضية
*وعند أبى جعفر النحاس 134 قضية
*وعند ابن سلامة213 قضية.
* وعند مكي بن أبى طالب 200 قضية.
*وعند عبد القاهر البغدادي 66 قضية فقط.
* وعند بن بركات 210 قضية.
*وهى عند ابن الجو زى 247 قضية في 62 سورة
(المرجع نواسخ القرءآن للعلامة ابن الجو زى ص 515 الصادر عن الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ).
وقد أرفقت بهذا الأمر دراسة في هيئة جداول قام بها أحد الباحثين بهذه الجامعة في أحد الرسالات البحثية العليا وهو محمد أشرف على الملبارى.وذلك حتى يقف المسلم على حجم الكارثة العقائدية التي تصيبه من جرّاء الإيمان بوجود ناسخ ومنسوخ داخل كتاب الله،(راجع ملحق النّسخ والمنسوخ عند ابن الجوزى بآخر الكتاب).
كذا فإن السنة لا تنسخ القرءآن، فكتاب الله كلّه من أوّل آية بسم الله الرحمن الرحيم الموجودة في سورة الفاتحة وحتى آية (من الجنّة والنّاس )الموجودة في سورة الناس كلّها معمول بها، وسنسأل عن كل حرف فيه.
وإن القائلين بالنسخ تعطّلت عندهم حاسة التدبّر لآيات كتاب الله كما وأن جمع من القائلين بالنسخ ممن قالوا أن الله تدرّج في التشريع القرءآنى واتخذوا لذلك مثالا في موضوع الخمر وموضوع رجم الزناة الذين أحصنوا (سبق أو كانوا متزوّجين) كانوا مخطئين.
ومثال آخر على ما يدّعون به النّسخ في القرءآن وذلك في سورة الأنفال في الآيات 65&66 حيث يتصوّرون النّسخ في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ }الأنفال65 فقالوا بأنها منسوخة بالآية التي تليها في قوله تعالى {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ }الأنفال66
فحقيقة الآيتين ليس فيهما نسخ لأن الآية الأولى تتحدّث عن المؤمن القوىّ الصّابر بأنّه يغلب عشرة وحده، أمّا الآية الثّانية فتعنى بالمسلم الصّابر الضعيف (وعلم أنّ فيكم ضعفا) بأنه يغلب فردين اثنين وهو أمر من أمور التخفيف في حال الضّعف ولا نسخ في ذلك، ويترتّب على الآية الثّانية جواز فرار المؤمن من الزّحف إذا تكاثر عليه الأعداء في حدود الأعداد المذكورة ولا يكون قد ارتكب بفراره ذنبا من الكبائر وهو الفرار من الزّحف.....وهكذا فإن جميع تأويلات أصحاب الرأي بالنسخ لا تنهض إلى مستوى الفقه الجيّد بأحكام وأسرار التّنزيل بل أنها دعوة للكفر ببعض آيات كتاب الله تحت مظلّة الاجتهاد، وأظنّها الدعوة الحقيقية للتبديل والتحريف باسم الفقه وبما رآه البعض أنّه سنّة، وسمحوا لسنّتهم المزعومة بالاعتداء على كتاب الله باسم الناسخ والمنسوخ.وما هو إلا كهنوت جديد يجعل من الدين حكرا على كل مبتدع، نعم مبتدع وأكتبها بكلّ الثقة لأن كل مسلم عليه أن يسأل أحد فقهاء النسخ فى القرءآن فهذا يجيبه بمنهاج الناسخ وذلك يجيبه بمنهاج المنسوخ، ولا أذكر ذلك افتراءا عليهم بل هي حقيقتهم لأنهم لم يتّفقوا ما هو الناسخ ولا ماهو المنسوخ ولكن اتفقوا على العبث بكتاب الله وأسموه علما تمنح فيه الشهادات، وهم لا يدركون حجم المصيبة طالما أنهم متمسّكون بالناسخ والمنسوخ ويسمّونه التمسك بالثوابت ولست أدرى لماذا لم تكن آيات كتاب الله هي الأولى بأن يطلق عليها لفظ ثوابت.
وسوف أخوض معهم فيما انتهوا إليه لإثبات عدم نسخ الشرائع داخل القرءآن فيما يخص الخمر ثم فيما يخص الرجم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق