الاثنين، 16 يونيو 2014

حمد عبده ماهر-أيهما أحق بالبر أكثر الأب أم الأم

الإسلام بالميراث، والإسلام بالتبعية، والتقليد للآباء، والمعتقدات بالتداول، تلكم هي حال معظم المسلمين في أيامنا.

وأضرب لذلك مثلا عن البِّر فالمشهور في أقوالهم كلمة (بر الوالدين)، والمشهور في معتقداتهم بل في أفعالهم بر الأم، ثم الأم، ثم الأم، وبعد ذلك يكون دور الأب أو لا يكون، وما ذلك إلا من بذور وجذور ثقافة الأحاديث المنسوبة زورا ًلرسول الله أو تلك التي يتم تزوير تأويلها.

فعندهم حديث رواه الإمام البخاري في كتاب الأدب، حيث قال :- [ 5626 ] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع بن شبرمة عن أبي زرعة عن أبي هريرة ـ رضي الله تعالى عنه ـ قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أمك قال ثم من قال ثم أبوك وقال ابن شبرمة ويحيى بن أيوب حدثنا أبو زرعة مثله.

فبينما وصَّى الله بالوالدين (أي كليهما) ولم يفرِّق بينهما، فإن أصحاب التخريجات الفقهية لم يلتزموا بأهداف القرءان وتوجيهاته التي سيرد بيانها كالتالي:-

1. قال تعالى:- {{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً{23} وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً{24}الإسراء.

نلاحظ في الآيتين السَّابقتين من سورة الإسراء أنه تمَّت التثنية في ذكر الوالدين معًا سبع مرات، ولم يخُص الله الأم دون الأب بالذِّكر.

2. ويقول تعالى:- {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ }لقمان14؛ فالآية ليس بها تخصيص لبر الأُم زيادة عن الأب.

3. ويقول تعالى:- {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً ....}الأحقاف15.

فالآيات جميعها لم تفرق بين أب وأم، لكننا نصطدم بثقافة تهميش كتاب الله لحساب المرويَّات، ولحساب تخريجات فقهية أراها تخريبات فكرية، ثم تطوير تلك الثقافة بالعبث في تأويل الكلمات للوصول إلى غايات الله أعلم بها وبمراد العابثين بها، فالحديث المروي عن الصحابي الذي يسأل رسول الله [من أحق الناس بحسن صحابتي] صرفه الناس إلى معنى [ من أحق الناس بحسن بِرّى له]، وبإضافة الإجابة [ أمك ثم أمك ثم أمك] اعتقد الناس أن الأب في الدرجة الرابعة في البر والاهتمام.

ورأيت وسمعت دعاة على منابر يصيحون بالحديث متأوِّلين معناه إلى البِر، وهو من قصر نظر القائل وسوء فهمه.

إن الصحابي لم يكن يسأل رسول الله عن البِر، إنما كان يسأله عن حُسن الصُّحبة، وهناك فارق بينهما، فحسن الصحبة هو أحد فروع البر، ويعني حُسن الرُّفقة والتَّزيد في اللِّين، وإليك البيان التالي:-

1. فيقال أصحبت فلان أي اتخذ أصحابا وكبير ولده ورافقه واتخذه صاحبا وانقاد له واتَّبعه، راجع [ المعجم الوسيط الجزء الأول ص 526 الطبعة الثالثة إصدار مجمع اللغة العربية].

2. صاحبه يعنى رافقه، واستصحب الشيء يعني لازمه، راجع [ المعجم الوجيز الطبعة الخاصة بوزارة التربية والتعليم بمصر ص 359 الصادر عن مجمع اللغة العربية 1993].

3. الصاحب يعني المعاشر وكل ما لازم شيئا فقد استصحبه والصحبة والصحب قاسمان للجمع، راجع [ لسان العرب ج 4 ص 2400، 2401 طبعه دار المعارف المصرية].

نخلص مما سبق أن الصحابي كان يسأل رسول الله عن أحق الناس بحسن الرُّفقة والتَّزيُّد في اللِّين ولا يسأله عن البر، إذ إن البر أشمل وأعم عمَّا يسأل عنه الرَّجل.

ونلاحظ أن السائل رجل من بيئة بدوية جلفاء، وغالباً ما تكون الأم أنثى عجوزًا، ينشغل عنها الناس والأصحاب، فتجد كثيرًا من الذُّكور في حالة غربة عن أُمهاتهم، ويتركون رعاية الأم لشقيقاتهم أو لنساء العائلة، لذلك أوصاه الرسول بحُسن الصٌّحبة، فوصية الرسول لا يمكن أن تخالف أبداً كتاب الله، فما قال أبداً إنها الأحق بالبر، بينما الله يوصى بالأبوين والإحسان إليهما سويا ومعًا بلا تفرقة.

ومن أراد للأمر تفصيلاً فعليه بكتاب الله الذي قال تعال فيه:- {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ }يوسف3؛

وقال تعالى:- .....وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً }الإسراء12.

فلنستمتع سويًا بما فصَّله الله بكتابه الكريم عن البِّر والعقوق في أحسن القصص، ونتبين عمَّا إذا كان الله فضَّل الأم على الأب أم لا، وذلك فيما يلي:-

1. فمن أسوأ العقوق عقوق قابيل لأبيه آدم .....وآدم أب.
2. ومن أسوأ العقوق في أحسن القصص عقوق ابن سيدنا نوح لأبيه.....ونوح عليه السلام أب.
3. وعقوق أبناء يعقوب ليعقوب عليه السلام..... ويعقوب أب.
4. وبر سيدنا إسماعيل لإبراهيم عليه السلام .....وسيدنا إبراهيم أب.
5. وبر سيدنا يوسف لأبيه يعقوب .....ويعقوب عليه السلام أب.
6. وبر ابنتي شعيب عليه السلام لأبيها..... وشعيب أب.
7. وبر إبراهيم عليه السلام بأبيه آزر ..... حيث كان الأب كافرا.

والناظر بعين التدبر يجد أن الله قد ذكر بر سيدنا يحيى بأبويه فقال تعالى:- {وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً }مريم14؛ لكن الوحيد الذي قال عن بر الأم هو سيدنا عيسى عليه السلام لأنه لم يكن له أب:- {وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً }مريم32.

فالمتدبر لكتاب الله لا يجد خصيصة تفضيل للأم على الأب في البر، وإذا ما ناقشنا الأمر من الواقع الاجتماعي والنفسي فإن أكثر الأبناء يرتبطون بالأمهات ويدعون أن السبب هو واقعة الحمل تسعة أشهر والإرضاع سنتين، لكن الحقيقة أنهم يُحبُّون أُمهاتهم لأنهن أكثر التصاقا بالأبناء من الآباء بحكم الطبيعة البشرية ووظيفة كل جنس (ذكر أو أنثى) في الحياة.

كما أن الأب يُمثِّل للأبناء عنصر القهر والقوة والغلبة، لذلك فإن انصراف الحُب والمودة للأم يكون أمراً طبيعيًا، فلا عجب أن نجد القرءان يذكر الأمثال في أحسن القصص في البر والعقوق عن الآباء، لأن الله يعلم أن البشرية دائما تحن لطفولتها ومن كان يعطف عليها حال الطفولة.

لكن الأمر على خلاف ذلك بالنسبة للأب، إذ إنه أقدر من الأم على أن يُسرِّي عن نفسه، ويجد من الأصحاب أكثر مما تجد الأمهات، لذلك فإن وصية رسول الله للصحابي السَّائل أن يحسن رُفقة أمه تكون لازمة، أما التَّزيد في اللِّين فذلك لأن النساء يحببن كثرة اللين وزيادته، وذلك بعكس الآباء الذين لا يسعدهم ذلك.

وإذا ما نظرنا للأمر من جهة الحمل والإرضاع، فإن الحمل والإرضاع يكونان لمدة أقل من ثلاث سنوات، فماذا تكون السنوات الثلاث بجانب عطاء الأب على مدى كل سنين عمر الابن أو الابنة، كما وأن الأب هو الذي يقوم على رعاية الأم حال الحمل وحال الولادة وبعد الولادة حتى تستطيع أن تعبُر حالة الحمل والإرضاع، وهو أيضا الذي يشقى سنوات عديدة طوال عمره ( ليس تسعة أشهر فقط) لتوفير المال اللازم لقوت الأبناء، وهو صاحب اليد الطولى في تربية الأولاد، وبخاصة الذكور، فلماذا لا ينظر بعين الاعتبار لشقائه على طعام عياله وصحَّتهم وكسوتهم وتعليمهم وتأديبهم، ويُعتبر للأم حملها وولادتها ورضاعتها فقط؟؟؛

أظن أن الجور على المرأة في دروب شتَّى جعل فقهاء الأمس يمنحونها مزية التمييز والتميُّز في بر الأبناء، لكن بلا سند يُعتد به من فقه أو تدبر للغة العربية .

لكن يجدر بي أن أذكر أن البر لا يرتبط بسبب شقاء الأم أو الأب أو الإنفاق، وهو ما بدا جلياً من بر سيدنا إسماعيل لسيدنا إبراهيم لمجرد أنه أبوه، ورغم أن سيدنا إبراهيم ترك ابنه إسماعيل منذ أن كان رضيعا في بيداء من الأرض، ولم ينفق عليه، ولم يعلِّمه، ولم يكسه، ومع ذلك فإن الله ضرب المثل بالبر المطلوب بأن يكون حتى الموت، فقال تعالى:- { .... قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ }الصافات102.

فبِرُّك بأبيك وأُمك لا يرتبط بكفرهما أو إسلامهما، ولا يرتبط بإنفاقهما أو بذلهما، لكن يرتبط بصلة الرحم والدم الذي لابد أن يكون له مقامه من الأبناء للوالدين، كما وأنَّ واجب الإحسان لهما في الكِبر من الفرائض، وعقوقهما أو عقوق أحدهما من الكبائر، فلا عُذر لعاق، ولا ضيم لبار للوالدين معاً، وليس للأم خصيصة شرعية فوق الأب، ليحتمي بها أصحاب بر الأم على حساب بر الأب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق